لو تُرك الاقتصاد لقوّته الذاتيّة وحدها لربّما كانت تقلّباته أعنف ممّا نشهده اليوم. فبين الإنسان والدورة تقف مؤسّساتٌ تحاول تلطيف حركتها، أبرزها البنوك المركزيّة ووزارات المال. ويخصّص الكتاب حديثًا لهذا الدور، لا ليشرح تفاصيل السياسة الاقتصاديّة، بل ليبيّن كيف يدخل التدخّل الرسميّ نفسه في نسيج الدورة.
أدوات البنك المركزيّ
الأداة الأشهر بيد البنك المركزيّ هي سعر الفائدة. فحين يتباطأ النشاط يخفّضه ليصبح الاقتراض أرخص والادّخار أقلّ جاذبيّة، فيرتفع الإنفاق والاستثمار. وحين يسخن الاقتصاد ويرتفع التضخّم يرفعه ليبرّد الطلب. وتُسمّى هذه المقاربة السياسة المعاكسة للدورةسياسةٌ اقتصاديّة تسير عكس اتّجاه الدورة، فتيسّر الأوضاع النقديّة أو الماليّة حين يتباطأ الاقتصاد وتشدّدها حين يسخن، بهدف تقليص حدّة التقلّبات.. ويصف المحلّلون نبرة البنك المركزيّ بأنّها متشدّدة أو متساهلة كما يوضّح مسرد التشدّد والتيسير النقديّ، كما يشرح درس أسعار الفائدة الحقيقيّة لماذا يهمّ الفرق بين الفائدة المعلنة والتضخّم.
دور الحكومات
إلى جانب البنك المركزيّ، تملك الحكومة أدوات السياسة الماليّةقرارات الحكومة المتعلّقة بالإنفاق العامّ والضرائب والاقتراض، وتُستعمل للتأثير في مستوى النشاط الاقتصاديّ إلى جانب أهدافها الاجتماعيّة والتنمويّة.: تزيد إنفاقها أو تخفّض الضرائب لتعويض تراجع الإنفاق الخاصّ في الأزمات، وتفعل العكس نظريًّا في أوقات الرخاء. لكنّ الكتاب يلاحظ أنّ الشقّ الثاني نادرًا ما يُطبّق بالقدر نفسه، فالتوسّع في الإنفاق مقبولٌ سياسيًّا أكثر من التقشّف، وهو ما يترك أثرًا تراكميًّا على مستويات الدين العامّ عبر الدورات.
لماذا لا تُلغى الدورة؟
يتّفق الكتاب مع الرأي القائل إنّ هذه الأدوات قد تخفّف حدّة بعض التقلّبات، لكنّه يرفض فكرة أنّها تستطيع إلغاء الدورة. فالقرارات تُتّخذ ببياناتٍ متأخّرة، وأثرها يصل بعد فترةٍ لا يعرف أحد طولها بدقّة، فقد يأتي التحفيز متأخّرًا حين يكون الاقتصاد قد بدأ يتعافى، وقد يأتي التشديد حين يكون التباطؤ قد بدأ فعلًا. ثمّ إنّ صانعي القرار بشرٌ يتأثّرون بالمزاج العامّ والضغوط السياسيّة كغيرهم. ويتجلّى هذا في متابعة الأسواق لشكل منحنى العائد الذي يعكس توقّعات المشاركين لمسار الفائدة والنموّ معًا.
حين يصبح التدخّل جزءًا من الحساب
الفكرة الأعمق في هذا الفصل أنّ تكرار التدخّل يغيّر سلوك المستثمرين أنفسهم. فإذا اعتاد السوق أنّ السلطات ستتدخّل عند كلّ هبوطٍ حادّ، تراجع شعوره بالخطر، وصار أكثر استعدادًا لدفع أسعارٍ مرتفعة والاقتراض بكثافة. ويُسمّى هذا الخطر الأخلاقيّميل الطرف المحميّ من عواقب قراراته إلى تحمّل مخاطر أكبر ممّا كان سيتحمّله لو تحمّل تلك العواقب كاملةً بنفسه.. وهكذا قد يخفّف التدخّل أزمةً حاضرة، لكنّه يزرع في الوقت نفسه بذور مبالغةٍ مقبلة. ويقدّم دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى قراءةً تفصيليّة لكيفيّة تعامل السلطات مع أزمات الديون وحدود أدواتها.
رأينا في هذا الفصل كيف يدخل التدخّل الرسميّ في نسيج الدورة. في الفصل التالي ننتقل إلى طبقةٍ أقرب إلى المستثمر: دورة أرباح الشركات، ولماذا تتقلّب أكثر من الاقتصاد نفسه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.