إذا كانت الدورات طبقاتٍ بعضها فوق بعض، فإنّ أعمقها وأبطأها حركةً هي الدورة الاقتصاديّة. ويبدأ بها الكتاب لأنّها الأرضيّة التي تقف عليها الدورات الأخرى، مع أنّه يلفت إلى أنّ المستثمر نادرًا ما يربح أو يخسر بسبب الاقتصاد مباشرة، بل بسبب الطريقة التي تتضخّم بها تحرّكات الاقتصاد في الأرباح والمزاج والائتمان.
من أين يأتي النموّ الطويل؟
يُقاس حجم الاقتصاد عادةً بـالناتج المحلّيّ الإجماليّ، أي قيمة السلع والخدمات المنتجة خلال فترةٍ معيّنة. وعلى المدى الطويل يتوقّف نموّ هذا الناتج على عاملين بسيطين في الظاهر: عدد الساعات التي يعملها الناس، وما تنتجه كلّ ساعةٍ من قيمة. والعامل الأوّل يتأثّر بنموّ السكّان وأعمارهم ومشاركتهم في سوق العمل، والثاني هو الإنتاجيّةمقدار ما ينتجه العامل أو ساعة العمل من سلعٍ وخدمات، ويرتفع مع تحسّن التقنية والتعليم والتنظيم ورأس المال المتاح لكلّ عامل. التي ترتفع مع التقنية والتعليم وتحسّن طرق العمل. ولأنّ هذين العاملين يتغيّران ببطء عبر عقود، فإنّ معدّل النموّ الطويل لبلدٍ ما لا ينقلب بين عامٍ وآخر، وإن تغيّر تدريجيًّا مع شيخوخة السكّان أو موجات الابتكار.
التذبذب حول الخطّ
في المقابل، يتقلّب النموّ في السنوات المفردة فوق هذا المعدّل وتحته. فقد ينمو الاقتصاد في عامٍ أسرع من طاقته الطبيعيّة لأنّ الأسر متفائلة والشركات تتوسّع والائتمان سهل، ثمّ ينكمش في عامٍ آخر حين يتراجع الإنفاق دفعةً واحدة. وحين يتحوّل التباطؤ إلى انكماشٍ فعليّ في النشاط يُسمّى ركودًا. ويؤكّد الكتاب أنّ هذه التقلّبات القصيرة هي في الغالب نتاج قراراتٍ بشريّة متزامنة: كلّ أسرةٍ وكلّ شركةٍ تقرّر وحدها، لكنّ قراراتها تتشابه لأنّها تتأثّر بالأخبار نفسها والمزاج نفسه، فتتراكم في اتّجاهٍ واحد.
حدود التنبّؤ الاقتصاديّ
يقف الكتاب موقفًا متشكّكًا من التنبّؤات قصيرة الأجل. فأغلب التوقّعات تأخذ آخر الأرقام المتاحة وتعدّلها قليلًا، فتصيب كثيرًا في الأوقات الهادئة حين يشبه الغد اليوم، وتخطئ تحديدًا عند نقاط الانعطاف التي يحتاجها المستثمر أكثر من غيرها. ويضيف أنّ الاقتصاد نظامٌ معقّد تتفاعل فيه عوامل لا حصر لها، فيكفي حدثٌ غير متوقّع ليغيّر المسار. ومن هنا ينصح بالتمييز بين ما يمكن معرفته بثقةٍ معقولة، كالاتّجاهات الديموغرافيّة البطيئة، وما لا يمكن معرفته، كتوقيت الركود القادم ودرجة عمقه. ويمكنك متابعة البيانات التي ينشغل بها المحلّلون في التقويم الاقتصاديّ، مع تذكّر أنّ الرقم الواحد لا يرسم الدورة كلّها.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمر؟
الخلاصة العمليّة أنّ تذبذب الاقتصاد نفسه معتدلٌ في العادة مقارنةً بتذبذب ما يُبنى عليه. فنموٌّ ينخفض من مستوًى جيّد إلى مستوًى ضعيف قد يبدو تغيّرًا صغيرًا في نسبته، لكنّه يتحوّل إلى تقلّبٍ أكبر بكثير في أرباح الشركات، ثمّ إلى تأرجحٍ أعنف في مزاج المستثمرين وفي استعداد المقرضين للإقراض. ولهذا لا يكفي أن يسأل المستثمر عن النموّ المتوقّع، بل عن الكيفيّة التي ستتضخّم بها التغيّرات الصغيرة في الطبقات الأعلى. ويشرح درس أين تذهب الأموال حين تحمرّ الأسواق جانبًا من هذا التضخيم.
عرضنا في هذا الفصل الدورة الاقتصاديّة الأساسيّة. في الفصل التالي نسأل: ماذا تفعل الحكومات والبنوك المركزيّة حين يتسارع الاقتصاد أو يتباطأ، وأين تقف حدود تأثيرها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.