هوارد ماركس مستثمرٌ أمريكيّ قضى عقودًا في إدارة الأموال، وارتبط اسمه خصوصًا بأسواق الديون مرتفعة المخاطر والديون المتعثّرة، وعُرف برسائله الدوريّة إلى عملاء شركته التي صار كثيرٌ من المستثمرين يتداولونها. وبعد كتابه الأوّل الذي عرضنا أفكاره في دليل أهمّ شيء، خصّص هذا الكتاب كاملًا لموضوعٍ واحد مرّ عليه هناك مرورًا سريعًا: الدورات. والفرق بين الدليلين واضح؛ فالأوّل فلسفةٌ عامّة للاستثمار، أمّا هذا فتشريحٌ مفصّل لكيفيّة نشوء الدورات وتداخلها، وما يمكن للمستثمر أن يستفيد منه في فهمها.
الاتّجاه الطويل والانحراف حوله
يبدأ الكتاب بالتمييز بين أمرين. الأوّل هو الاتّجاه طويل الأمدالمسار العامّ الذي يسلكه متغيّرٌ اقتصاديّ أو ماليّ على مدى سنواتٍ طويلة جدًّا، بعد تجاهل التذبذبات القصيرة حوله، كمعدّل النموّ الذي تسمح به الإنتاجيّة ونموّ السكّان.، وهو أشبه بخطٍّ يمرّ في منتصف الطريق. والثاني هو الانحرافات حول هذا الخطّ: فترات يكون فيها الأداء أعلى منه، وأخرى أدنى. والدورة في معناها البسيط هي هذه الحركة فوق الخطّ وتحته. ومن المهمّ أن ندرك أنّ معظم ما نعيشه يوميًّا في الأسواق هو هذه الانحرافات لا الخطّ نفسه، فالخطّ لا يتغيّر إلّا ببطءٍ شديد، بينما تتقلّب الانحرافات أمام أعيننا.
الدورة ليست ساعة
يحذّر الكتاب من تصوّرٍ شائع يرى الدورة موجةً منتظمة تتكرّر كلّ عددٍ ثابت من السنوات. فالأطوار تتشابه في ترتيبها العامّ، صعودٌ ثمّ ذروة ثمّ هبوطٌ ثمّ قاع، لكنّ مدّتها وارتفاعها وأسبابها المباشرة تختلف في كلّ مرّة. قد يطول التوسّع سنواتٍ عديدة، وقد يكون الركود قصيرًا حادًّا أو طويلًا هادئًا. ولهذا يفضّل الكتاب أن يصف الأحداث بأنّها تتشابه في نغمتها دون أن تتكرّر حرفيًّا. ومن ينتظر أن تعيد الدورة القادمة نسخ الدورة السابقة بتواريخها ونسبها، يقع في الخطأ الذي يشرحه درس خرافة توقيت السوق.
من أين يأتي التأرجح؟
لو كان الاقتصاد آلةً خالصة لربّما سار قريبًا من خطّه الطويل. لكنّ في قلبه بشرًا يقرّرون متى يستهلكون ومتى يقترضون ومتى يستثمرون. وحين تسير الأمور جيّدًا يميل الناس إلى افتراض أنّها ستستمرّ كذلك، فيتوسّعون ويقترضون ويدفعون أكثر، فتتحسّن الأرقام أكثر، ويتعزّز التفاؤل. ثمّ يصل هذا الزخم إلى حدٍّ لا تبرّره الأساسيّات، فيكفي خبرٌ متوسّط السوء ليبدأ الانعكاس، ويكتسب الانعكاس بدوره زخمه الخاصّ. هكذا تولّد كلّ مبالغةٍ تصحيحًا، ويتجاوز التصحيح حدّه فيولّد مبالغةً في الاتّجاه المعاكس. وتجد في درس دورة السوق وصفًا مبسّطًا لمراحل هذا التأرجح.
لماذا نادرًا ما نقف في الوسط؟
يُفترض نظريًّا أن تعود الأمور إلى مستواها المعتدل، وهو ما يُسمّى العودة إلى المتوسّطميل القيم المتطرّفة لمتغيّرٍ ما، صعودًا أو هبوطًا، إلى الاقتراب مع الوقت من متوسّطها التاريخيّ، دون أن يعني ذلك معرفة توقيت هذه العودة أو مداها.. لكنّ الكتاب يلفت إلى أنّ الحركة لا تتوقّف عادةً عند المتوسّط، بل تعبره لتذهب إلى الطرف الآخر. فالوسط نقطةٌ يمرّ بها البندول في طريقه لا مكانٌ يستقرّ فيه طويلًا. ويناقش درس العودة إلى المتوسّط مقابل الزخم كيف تتعايش هاتان القوّتان. والدرس العمليّ هنا أنّ تقدير موقعنا من الوسط، أفوقه نحن أم تحته وبكم تقريبًا، أهمّ من محاولة معرفة الموعد الذي سنعود فيه إليه.
وضعنا في هذا الفصل التعريف الأساسيّ. في الفصل التالي نبدأ بأوسع الدورات وأبطئها: الدورة الاقتصاديّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الدورات وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.