رأينا في الفصل السابق كيف صُنعت من القروض العقاريّة سنداتٌ وشرائح. لكنّ المستثمر الذي يشتري هذه الأوراق في بلدٍ بعيد لا يستطيع أن يفحص آلاف القروض بنفسه، فيعتمد على حكم جهةٍ متخصّصة تخبره بدرجة أمان الورقة. وهنا يدخل دور وكالات التصنيف، ومعه أحد أهمّ دروس الكتاب: أنّ الملصق قد يُطمئن الجميع بينما المحتوى يتآكل.
ما هو التصنيف ولماذا يهمّ؟
التصنيف الائتمانيّرأيٌ تصدره جهةٌ متخصّصة في قدرة مُصدر الدين أو ورقةٍ ماليّة بعينها على الوفاء بالتزاماتها، ويُعبَّر عنه بسلّمٍ من الرموز يبدأ بأعلى درجات الأمان وينتهي بالتعثّر. اختصارٌ يوفّر على المستثمر جهدًا كبيرًا. فصناديق التقاعد وشركات التأمين والمصارف تخضع غالبًا لقواعد تسمح لها بالاستثمار في الأوراق ذات التصنيف المرتفع فقط، أو تطلب منها رأس مالٍ أقلّ حين تحملها. ولذلك لم يكن التصنيف مجرّد رأي، بل مفتاحًا يحدّد من يستطيع الشراء وكم يحتاج من رأس مالٍ احتياطيّ. ومع ارتفاع الطلب على الأوراق المصنّفة عاليًا وذات العائد الأفضل من سندات الحكومة، صار التصنيف المرتفع سلعةً ثمينة.
من يدفع ثمن التقييم؟
يكمن جوهر المشكلة في تضارب المصالححالةٌ يكون فيها لشخصٍ أو مؤسّسةٍ مصلحةٌ خاصّة قد تؤثّر في حكمٍ يُفترض أن يكون محايدًا، حتّى لو لم تكن هناك نيّةٌ سيّئة مباشرة.. فالجهة التي تُصدر الورقة هي التي تدفع للوكالة مقابل تصنيفها، وإن لم يعجبها الحكم تستطيع أن تذهب إلى وكالةٍ منافسة. تخيّل طالبًا يختار المصحّح الذي سيصحّح امتحانه، ويدفع له أجره، ويستطيع أن يستبدله في المرّة القادمة. لا يلزم أن يكون المصحّح فاسدًا ليتساهل قليلًا، يكفي أن يعرف أنّ عمله القادم مرتبطٌ برضا من يدفع.
النماذج التي لم ترَ الخطر المشترك
لم يكن التساهل وحده هو المشكلة، بل النماذج أيضًا. فقد اعتمدت التقييمات على بياناتٍ تاريخيّة من فترةٍ لم تشهد تراجعًا واسعًا في أسعار المساكن على مستوى البلد كلّه، وافترضت أنّ التعثّر سيبقى متفرّقًا. وحين تُبنى شريحةٌ عليا من شرائح دنيا، يصبح التصنيف شديد الحساسيّة لهذا الافتراض: تغييرٌ صغير في توقّع التعثّر قد يحوّل ورقةً ممتازة إلى ورقةٍ شبه معدومة القيمة. ولهذا شهدت سنتا 2007 و2008 خفضًا واسعًا لتصنيفات أوراقٍ كانت قد حصلت على أعلى الدرجات قبل وقتٍ قصير.
الملصق ليس بديلًا عن الفهم
الدرس هنا أوسع من وكالات التصنيف. فكلّ ملصقٍ مطمئن، سواءٌ كان تصنيفًا أو سمعةً أو وصف «منخفض المخاطر»، هو رأيٌ يقوم على افتراضات. والمستثمر المتأنّي يسأل: ما الذي أملكه فعلًا؟ ومن أين يأتي العائد؟ ولماذا يدفع هذا الأصل أكثر من عائد السندات الحكوميّة إن كان آمنًا مثلها؟ فالعائد الإضافيّ نادرًا ما يأتي بلا ثمن، والسؤال عن مصدره يكشف كثيرًا ممّا يخفيه الملصق، وهو المعنى الذي يتناوله مفهوم علاوة المخاطرة.
رأينا في هذا الفصل كيف صار الملصق مطمئنًا أكثر ممّا يستحقّ. في الفصل التالي نتعرّف إلى الأداة التي استخدمها بعض المتشكّكين للتعبير عن رأيهم المخالف: عقود مقايضة التخلّف عن السداد، ونشرحها مفهومًا لا وصفةً. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.