لكي نفهم كيف انتقلت أزمة قروضٍ عقاريّة في بعض الولايات الأمريكيّة إلى ميزانيّات مصارف وصناديق في أنحاء العالم، نحتاج إلى فهم الأداة التي حملتها: التوريق. والفكرة في أصلها ليست غامضة ولا شرّيرة، بل هي طريقةٌ لتحويل ديونٍ صغيرة متفرّقة إلى أوراقٍ ماليّة يمكن تداولها. والفصل يشرحها ببساطة، ثمّ يبيّن أين انقلبت من أداةٍ مفيدة إلى قناةٍ لنقل المخاطر وإخفائها.
الوعاء: جمع القروض في مكانٍ واحد
تقوم التوريقعمليّة تجميع أصولٍ تدرّ دخلًا، مثل القروض العقاريّة أو قروض السيّارات، في وعاءٍ واحد، ثمّ إصدار أوراقٍ ماليّة مدعومة بالتدفّقات النقديّة لهذه الأصول وبيعها للمستثمرين. على فكرةٍ بسيطة: خذ ألف قرضٍ عقاريّ، واجمعها في وعاءٍ واحد، ثمّ أصدر سنداتٍ يحصل حاملوها على الأقساط التي يدفعها المقترضون. فالمستثمر لا يقرض أسرةً بعينها، بل يشتري حصّةً من تدفّقٍ نقديّ يأتي من آلاف الأسر. وفي الظاهر يبدو هذا أكثر أمانًا من قرضٍ منفرد، لأنّ تعثّر بعض المقترضين يعوّضه سداد الآخرين، وهي فكرة التنويع نفسها.
الشرائح: من يخسر أوّلًا؟
ثمّ تأتي الخطوة الأهمّ: تقسيم الوعاء إلى طبقاتٍ تُسمّى كلٌّ منها شريحةجزءٌ من إصدارٍ مورَّق له ترتيبٌ محدّد في تلقّي المدفوعات وتحمّل الخسائر؛ فالشرائح الدنيا تمتصّ الخسائر الأولى مقابل عائدٍ أعلى، والشرائح العليا محميّة بما تحتها مقابل عائدٍ أقلّ.. تخيّل مبنى من ثلاثة طوابق والماء يتسرّب من الأسفل: الطابق الأرضيّ يغرق أوّلًا، ولا يصل الماء إلى الطابق العلويّ إلّا إذا غمر ما تحته. فإن كانت الشريحة الدنيا تمثّل عشرة في المئة من الوعاء، فهي تمتصّ أوّل عشرة في المئة من الخسائر كلّها. ولهذا تحصل على عائدٍ مرتفع، بينما تحصل الشريحة العليا على عائدٍ متواضع لأنّها تبدو بعيدةً عن الخطر.
إعادة التغليف: طبقةٌ فوق طبقة
لم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ. فالشرائح الدنيا والمتوسّطة من إصداراتٍ كثيرة، وهي الأصعب بيعًا، جُمعت بدورها في أوعيةٍ جديدة وقُسّمت مرّةً أخرى إلى شرائح، فخرجت منها شرائح عليا جديدة قُدّمت على أنّها شبه خالية من المخاطر. وهكذا صار ممكنًا أن تُصنع ورقةٌ تبدو ممتازة من مكوّناتٍ كانت تُعدّ ضعيفة. والمشكلة أنّ كلّ طبقةٍ إضافيّة كانت تبعد المستثمر خطوةً عن القروض الحقيقيّة، فيصبح فهم ما يملكه فعلًا أصعب.
الافتراض الذي حمل البناء كلّه
كانت حماية الشرائح العليا تقوم على افتراض أنّ القروض لا تتعثّر معًا، بل متفرّقة ولأسبابٍ مختلفة: مرضٌ هنا وفقدان وظيفةٍ هناك. لكنّ القروض العقاريّة في بلدٍ واحد تتأثّر بعاملٍ مشترك كبير هو اتّجاه أسعار المساكن نفسها. فإن تراجعت الأسعار على نطاقٍ واسع، ارتفع التعثّر في كلّ مكانٍ دفعةً واحدة، وتسرّب الماء إلى الطوابق التي ظُنّ أنّها في مأمن. وقد مرّ سوق المساكن بمراحل صعودٍ طويل ثمّ انعطاف، وهي فكرة دورة السوق التي تذكّر بأنّ أيّ صعودٍ طويل لا يستمرّ بلا حدود.
فهمنا في هذا الفصل كيف تُصنع السندات من القروض. في الفصل التالي نسأل: من الذي منح هذه الأوراق أعلى التصنيفات، ولماذا لم يكن حكمه مستقلًّا تمامًا كما يظنّ المستثمرون؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.