إذا كنت مقتنعًا بأنّ أوراقًا ماليّة مصنّفة عاليًا ستتعثّر، فكيف تعبّر عن هذا الرأي في السوق؟ لم يكن الجواب بسيطًا في البداية، لأنّ كثيرًا من هذه الأوراق لم يكن سهل الاقتراض والبيع كما تُباع الأسهم. وهنا برزت أداةٌ يدور حولها جزءٌ كبير من الكتاب. ونشرحها في هذا الفصل مفهومًا تعليميًّا فقط، مع التنبيه منذ البداية إلى أنّ المشتقّات أدواتٌ معقّدة وعالية المخاطر لا تناسب أغلب الأفراد.
الفكرة: قسطٌ دوريّ مقابل تعويضٍ عند التعثّر
مقايضة التخلّف عن السدادعقدٌ ماليّ مشتقّ يدفع فيه المشتري مبلغًا دوريًّا إلى البائع، مقابل التزام البائع بتعويضه إذا تعثّر مُصدر دينٍ محدّد أو ورقةٌ ماليّة محدّدة عن السداد. ويُعرف اختصارًا بالإنجليزيّة باسم CDS. تشبه في بنيتها وثيقة التأمين. مثالٌ بأرقامٍ مستديرة: تدفع جهةٌ ما قسطًا سنويًّا يعادل اثنين في المئة من مبلغٍ قدره مليون دولار، أي عشرين ألف دولار في السنة. فإن لم يقع التعثّر خلال مدّة العقد، خسرت الأقساط كلّها. وإن وقع، حصلت على تعويضٍ قد يقترب من المبلغ المؤمَّن عليه بحسب حجم الخسارة. وهي إذن صفقةٌ غير متماثلة: خسارةٌ صغيرة متكرّرة، مقابل احتمال ربحٍ كبير إن وقع حدثٌ واحد.
تأمينٌ على بيتٍ لا تملكه
في التأمين العاديّ لا تستطيع أن تؤمّن على بيت جارك، لأنّك لا تملكه ولا تخسر شيئًا إن احترق. أمّا هذه العقود فكان يمكن شراؤها دون امتلاك الدين نفسه. ومن يملك الورقة ويشتري الحماية يمارس نوعًا من التحوّط، أمّا من يشتريها دون أن يملك الورقة فهو يعبّر عن رأيٍ بأنّها ستتعثّر، وهو قريبٌ في منطقه من البيع على المكشوف. وهكذا صار بالإمكان أن تُبنى رهاناتٌ على الورقة نفسها أضعاف حجمها الحقيقيّ، فيتضاعف أثر تعثّرها على من باع الحماية.
من يبيع الحماية ولماذا؟
على الطرف الآخر جهاتٌ رأت في بيع الحماية دخلًا منتظمًا يكاد يكون بلا مخاطرة، ما دامت الأوراق المؤمَّن عليها مصنّفةً عاليًا والتعثّر يبدو بعيدًا. وهذا بالضبط نوع الاستراتيجيّات التي تربح قليلًا وبانتظامٍ سنواتٍ طويلة، ثمّ تخسر خسارةً كبيرة ونادرة. وتشبه في منطقها بيع عقود الخيارات بعيدة الاحتمال: أقساطٌ صغيرة تتراكم، والخطر الحقيقيّ مؤجّل وغير مرئيّ في السجلّ.
وعدٌ بالدفع لا يساوي أكثر من صاحبه
والدرس الأعمق أنّ هذه العقود ليست مالًا في خزنة، بل وعودٌ بالدفع في المستقبل. وهنا تظهر مخاطر الطرف المقابلاحتمال أن يعجز الطرف الآخر في عقدٍ ماليّ عن الوفاء بالتزاماته عند استحقاقها، فتفقد الحماية أو الربح المنتظر من العقد قيمته جزئيًّا أو كلّيًّا.: قد تكون محقًّا في رأيك تمامًا، ثمّ تكتشف أنّ من باعك الحماية عاجزٌ عن الدفع حين يحين الوقت. وحين تتركّز حمايةٌ ضخمة على خطرٍ واحد عند جهاتٍ قليلة، يصبح عجز إحداها مشكلةً للنظام كلّه، وهو ما سنعود إليه حين نتحدّث عن تشابك المؤسّسات في خريف 2008.
فهمنا في هذا الفصل الأداة من حيث المبدأ. في الفصل التالي نسأل السؤال الأهمّ في الكتاب: لماذا رأت قلّةٌ الخطر بينما لم يره الأغلبيّة؟ والجواب يبدأ من قراءة البيانات الأساسيّة لا الملصقات. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.