إذا كان الذعر اندفاعًا جماعيًّا نحو السيولة، فالعلاج المنطقيّ هو أن يوجد طرفٌ قادر على توفيرها حين يعجز الجميع عن ذلك. هذه هي فكرة المُقرض الأخير، وهي محور أشهر فصول الكتاب. ويرى كيندلبرغر أنّ وجود هذا الطرف، واستعداده للتدخّل في الوقت المناسب، كان في كثيرٍ من الأحيان هو الفارق بين أزمةٍ عابرة وكسادٍ طويل.
الفكرة وجذورها
يُقصد بـ المُقرض الأخيرجهةٌ، عادةً البنك المركزيّ، تقف مستعدّةً لإقراض المؤسّسات الماليّة في أوقات الذعر حين يجفّ الإقراض في السوق، فتوفّر السيولة اللازمة لوقف التدافع نحو النقد ومنع انهيار مؤسّساتٍ سليمة. الطرف الذي يُقرض حين يرفض الجميع الإقراض. والفكرة قديمة، صاغها في القرن التاسع عشر كتّابٌ بريطانيّون، أشهرهم الصحفيّ والتر باجهوت في كتابه عن سوق لندن الماليّة سنة 1873. وخلاصة ما يُنسب إليه، بصياغتنا: أن يُقرض البنك المركزيّ في الذعر بسخاء، للمؤسّسات القادرة على السداد، مقابل ضماناتٍ جيّدة، وبفائدةٍ أعلى من المعتاد حتّى لا يلجأ إليه إلّا المضطرّ. ومن الأمثلة التاريخيّة المعروفة أنّ الولايات المتّحدة لم يكن لديها بنكٌ مركزيّ في ذعر 1907، فتولّى مصرفيٌّ خاصّ بارز تنظيم الإنقاذ، وكانت تلك التجربة من أسباب إنشاء الاحتياطيّ الفيدراليّ سنة 1913. ويضع دليل حين أخفقت العبقريّة قصّة إنقاذ صندوق التحوّط الشهير سنة 1998 في هذا السياق.
الخطر الأخلاقيّ: سيفٌ ذو حدّين
المعضلة الكبرى التي يناقشها الكتاب هي الخطر الأخلاقيّميل طرفٍ محميّ من عواقب قراراته إلى المخاطرة أكثر ممّا كان سيفعل لو تحمّل العواقب كاملة، كأن تتساهل مؤسّسةٌ في مخاطرها إذا توقّعت أن تُنقَذ عند تعثّرها.. فإذا عرفت المؤسّسات أنّها ستُنقَذ إن تعثّرت، فقد تخاطر أكثر لأنّها تحصد المكاسب في الأوقات الجيّدة وتنتقل خسائرها إلى غيرها في الأوقات السيّئة. وفي المقابل، إذا رُفض الإنقاذ لتلقين الأسواق درسًا، فقد ينتشر الذعر ويدمّر مؤسّساتٍ سليمة واقتصادًا كاملًا. ويرى الكتاب أنّ الحلّ ليس في اختيار أحد الطرفين، بل في ما يمكن تسميته الغموض البنّاء: أن يكون المُقرض الأخير موجودًا، لكن دون أن يعرف أحدٌ مسبقًا متى يتدخّل وبأيّ شروط، حتّى لا يعتمد عليه أحدٌ في حساباته. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: إطفائيّةٌ في مدينة، وجودها ضروريّ، لكن لو عرف السكّان أنّها ستعوّضهم عن كلّ حريقٍ دون شرط لتساهل بعضهم في إجراءات السلامة. ويذكّرنا درس إدارة المخاطر بأنّ المستثمر الفرد لا ينبغي أن يبني حساباته على افتراض أنّ أحدًا سينقذه.
التوقيت والحجم ومن يستحقّ الإنقاذ
إلى جانب الخطر الأخلاقيّ يطرح الكتاب أسئلةً عمليّة صعبة. فالتوقيت حاسم: إن تدخّل المُقرض الأخير مبكّرًا جدًّا فقد يطيل عمر الهوس ويمنع التصحيح اللازم، وإن تأخّر كثيرًا فقد يكون الذعر قد خرج عن السيطرة. والحجم حاسمٌ أيضًا: فالتدخّل المتردّد الصغير قد لا يقنع السوق، بينما التدخّل الحاسم الكبير قد يوقف التدافع بمجرّد إعلانه. ثمّ هناك سؤال التمييز: كيف يفرّق المُقرض الأخير في خضمّ الذعر بين مؤسّسةٍ تعاني نقصًا مؤقّتًا في السيولة لكنّها قادرة على السداد، ومؤسّسةٍ مفلسة حقًّا؟ ففي الذعر تختلط الحالتان، لأنّ انخفاض الأسعار نفسه قد يحوّل مؤسّسةً سليمة إلى مفلسة. وقد ظهرت هذه الأسئلة كلّها بوضوح في أزمة 2008، حين تُرك مصرفٌ استثماريّ كبير يفلس ثمّ اتُّسع نطاق التدخّل بعد ذلك مباشرة. وتجد في مسرد سعر الفائدة تعريف إحدى الأدوات التي تستعملها البنوك المركزيّة في هذه الأوقات.
ناقشنا في هذا الفصل المُقرض الأخير داخل البلد الواحد. في الفصل الأخير نطرح السؤال الأصعب: من يؤدّي هذا الدور حين تعبر الأزمة الحدود؟ ثمّ نجمع دروس الكتاب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.