إذا كان المُقرض الأخير داخل البلد الواحد محاطًا بالمعضلات، فإنّ نظيره الدوليّ أصعب بكثير. فالأزمات، كما رأينا في الفصل الثامن، تعبر الحدود، لكنّ السلطات التي تستطيع وقفها تبقى وطنيّة. وفي هذا الفصل نتابع كيف عالج الكتاب هذا السؤال، ثمّ نجمع الدروس التي يخرج بها لصانعي السياسات وللقارئ الفرد.
لا يوجد بنكٌ مركزيّ للعالم
داخل البلد الواحد يستطيع البنك المركزيّ أن يصدر عملته بالكمّيّة التي يحتاجها لوقف الذعر. أمّا على المستوى العالميّ فلا توجد سلطةٌ كهذه. ولهذا يحتاج المُقرض الأخير الدوليّجهةٌ أو ترتيبٌ يوفّر السيولة لبلدانٍ أو أنظمةٍ ماليّة في أزمةٍ تعبر الحدود، حين لا تكفي مواردها المحليّة، وقد تؤدّيه دولةٌ كبرى أو مؤسّسةٌ دوليّة أو شبكةٌ من البنوك المركزيّة تتعاون فيما بينها. إلى طرفٍ مستعدّ لتحمّل الكلفة والمخاطرة من أجل استقرار النظام كلّه. وقد ارتبط اسم كيندلبرغر، في كتابٍ آخر له عن الكساد الكبير، بفكرة أنّ النظام الماليّ الدوليّ يحتاج إلى قوّةٍ مهيمنة مستعدّة لأداء هذا الدور. ورأى أنّ من أسباب عمق الكساد في ثلاثينيّات القرن العشرين أنّ بريطانيا لم تعد قادرةً على أداء الدور، والولايات المتّحدة لم تكن مستعدّةً بعد لتولّيه، فبقي المقعد شاغرًا في أسوأ توقيت. ويشرح درس أسعار الفائدة الحقيقيّة كيف تؤثّر سياسة البنوك المركزيّة في كلفة الاقتراض الفعليّة.
من يتولّى الدور اليوم؟
بعد الحرب العالميّة الثانية أُنشئ صندوق النقد الدوليّ، وصار يؤدّي جزءًا من هذا الدور بإقراض البلدان التي تواجه أزماتٍ في موازين مدفوعاتها، مقابل شروطٍ إصلاحيّة كثيرًا ما أثارت جدلًا. وفي الأزمات الكبرى الأحدث، ومنها أزمة 2008، أدّت شبكة المبادلات بين البنوك المركزيّة دورًا بارزًا، إذ وفّر الاحتياطيّ الفيدراليّ الدولار لبنوكٍ مركزيّة أخرى عبر ما يُعرف بخطوط مبادلة العملات، لأنّ الدولار هو العملة التي تُقوَّم بها معظم الديون الدوليّة. لكنّ الكتاب يذكّر بأنّ المعضلات نفسها تعود على المستوى الدوليّ بصورةٍ أشدّ: فالخطر الأخلاقيّ قائم، والتوقيت صعب، ويُضاف إليها سؤال السياسة: لماذا يتحمّل دافعو الضرائب في بلدٍ ما كلفة إنقاذ نظامٍ ماليّ في بلدٍ آخر؟ ويشرح درس منحنى العائد كيف تنعكس توقّعات السياسة النقديّة في أسعار السندات.
دروسٌ للسياسة وللقارئ
يخرج الكتاب بدروسٍ لصانعي السياسات نصوغها بلغتنا: أنّ الأزمات لن تختفي لأنّها نابعةٌ من طبيعة الائتمان والسلوك البشريّ، وأنّ مراقبة نموّ الائتمان أهمّ من مراقبة الأسعار وحدها، وأنّ وجود مُقرضٍ أخير ضروريّ لكنّه يحتاج إلى حكمةٍ في التوقيت والشروط، وأنّ التعاون الدوليّ شرطٌ لمواجهة أزماتٍ تعبر الحدود. أمّا للقارئ الفرد فالدروس أبسط وأقرب: أن يتذكّر أنّ الأزمات متكرّرة مهما قيل إنّ «هذه المرّة مختلفة»، وأن يحذر من الاقتراض الكثيف لشراء أصولٍ يعتمد سدادها على استمرار ارتفاع أسعارها، وأن يحتفظ بقدرٍ من السيولة يسمح له بالصمود دون بيعٍ اضطراريّ، وأن ينتبه حين يكثر الحديث عن أرباحٍ سهلة ويقلّ التدقيق. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: مستثمران يعرفان النموذج نفسه، أحدهما يستعمله لمحاولة اقتناص الذروة فيخطئ التوقيت، والآخر يستعمله ليتأكّد أنّ محفظته تصمد إن وقعت أزمة، فيكون الثاني أقرب إلى روح الكتاب. ويشرح درس خرافة توقيت السوق لماذا يخفق السعي إلى التوقيت، ويعرض درس التنويع ببساطة أداةً عمليّة لبناء الصمود.
بهذا نختم رحلتنا مع الكتاب، من الصدمة الأولى إلى الائتمان والنشوة، ثمّ الضيق والذعر والاحتيال، ثمّ العدوى الدوليّة والمُقرض الأخير. وخلاصتها أنّ الأزمات الماليّة ليست حوادث عشوائيّة ولا قدرًا لا يُفهم، بل نمطٌ متكرّر له منطقٌ يمكن تعلّمه، وأنّ أفضل ما يفعله القارئ بهذا الفهم أن يبني قراراته على الصمود لا على التنبّؤ. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.