من أبرز ما يميّز هذا الكتاب عن كثيرٍ من كتب الأزمات أنّه لا يحصر نظره في بلدٍ واحد. فقد كان كيندلبرغر متخصّصًا في الاقتصاد الدوليّ، ورأى أنّ أهمّ الأزمات في التاريخ لم تكن محليّة، بل انتقلت من مركزٍ ماليّ إلى آخر، وأحيانًا عبر المحيطات. والسؤال الذي يطرحه هنا: ما الذي يجعل هوسًا في بلدٍ أو ذعرًا في آخر يعبر الحدود؟
قنواتٌ متعدّدة للانتقال
يستعمل الكتاب فكرة العدوى الماليّةانتقال الاضطراب الماليّ من سوقٍ أو بلدٍ إلى آخر عبر قنواتٍ مثل التجارة وتدفّقات رؤوس الأموال وأسعار الصرف والروابط بين المؤسّسات الماليّة وتبدّل مزاج المستثمرين، حتّى لو لم تكن بين البلدين صلاتٌ اقتصاديّة قويّة.، ويرى أنّها تسلك قنواتٍ عدّة نصوغها بلغتنا. فهناك قناة التجارة: حين يتراجع اقتصاد بلدٍ ما تتراجع وارداته من شركائه. وهناك قناة رؤوس الأموال: فالمستثمر الذي يخسر في سوقٍ قد يضطرّ إلى البيع في أسواقٍ أخرى لتغطية خسائره أو تلبية طلبات السحب. وهناك قناة الأسعار: فالأصول المتشابهة في بلدانٍ مختلفة تميل إلى التحرّك معًا لأنّ المتعاملين ينقلون الأموال بينها. وهناك القناة النفسيّة: فانهيار سوقٍ ما يدفع المستثمرين إلى إعادة النظر في أسواقٍ تشبهها، ولو لم تكن بينها روابط اقتصاديّة مباشرة. ويشرح درس الارتباط بين الأصول لماذا يرتفع الترابط بين الأسواق في أوقات الضغط تحديدًا، حين تكون الحاجة إلى التنويع أشدّ.
رؤوس الأموال التي تأتي سريعًا وتذهب سريعًا
يتوقّف الكتاب عند نمطٍ تكرّر في أزماتٍ كثيرة: تتدفّق رؤوس الأموال الأجنبيّة بكثافة إلى بلدٍ ما في أوقات التفاؤل، فتغذّي طفرةً في أسعار أصوله وفي الإقراض المحليّ، وترتفع عملته. ثمّ يتبدّل المزاج لسببٍ ما، فتخرج الأموال بالسرعة نفسها التي دخلت بها، فتنخفض العملة وتنخفض الأصول وتتعثّر المؤسّسات التي اقترضت بعملاتٍ أجنبيّة. وقد ظهر هذا النمط بوضوح، بحسب ما هو معروف عمومًا، في أزمة الديون في أمريكا اللاتينيّة في ثمانينيّات القرن العشرين، وفي الأزمة الآسيويّة التي بدأت في تايلاند سنة 1997 ثمّ امتدّت إلى جيرانها. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: شركةٌ محليّة اقترضت بالدولار لأنّ فائدته أقلّ، ودخلها بالعملة المحليّة، فإذا انخفضت العملة المحليّة بحدّة تضخّم دينها مقيسًا بدخلها دون أن تقترض قرشًا إضافيًّا. ويضيء درس تجارة الفائدة إحدى آليّات تدفّق الأموال بين العملات، وتجد في مسرد مؤشّر الدولار أداةً لمتابعة قوّة العملة التي تُقوَّم بها معظم الديون الدوليّة.
أنظمة الصرف والعدوى
يلاحظ الكتاب أنّ أنظمة الصرف تؤدّي دورًا كبيرًا في نقل الأزمات. ففي عصر قاعدة الذهب، كانت مشكلةٌ في مركزٍ ماليّ تدفعه إلى رفع الفائدة لجذب الذهب، فيسحبه من مراكز أخرى فتنتقل الضغوط إليها. وفي العصر الحديث، تجعل أنظمة الربط الثابت بعض البلدان عرضةً لهجماتٍ مضاربيّة حين يشكّ المتعاملون في قدرتها على الدفاع عن الربط، فإذا سقط ربطٌ في بلدٍ تساءل المتعاملون عن البلدان المشابهة. ومن الأمثلة التاريخيّة المعروفة سلسلة الأحداث سنة 1931 حين تعثّر مصرفٌ كبير في النمسا، فانتقلت الضغوط إلى ألمانيا ثمّ إلى بريطانيا التي خرجت من قاعدة الذهب في خريف ذلك العام. وقد عرض دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى الخيارات المؤلمة التي تواجهها البلدان حين تتعرّض عملاتها المربوطة للضغط.
رأينا في هذا الفصل كيف تعبر الأزمات الحدود. في الفصل التالي نصل إلى السؤال الذي اشتهر به الكتاب: من يتدخّل حين يعمّ الذعر؟ وما معضلات المُقرض الأخير؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.