يخصّص الكتاب حيّزًا لظاهرةٍ يراها ملازمةً لدورات الهوس: الاحتيال. ولا يتعامل معها بوصفها انحرافًا أخلاقيًّا عابرًا فحسب، بل بوصفها جزءًا من الآليّة نفسها: عَرَضًا يكثر في أواخر الدورة، وقد يتحوّل انكشافه إلى سببٍ يسرّع نهايتها. والفكرة الأساسيّة أنّ ظروف النشوة تخلق بيئةً مثاليّة للخداع، وظروف الهبوط تكشفه.
لماذا يزدهر الاحتيال في النشوة؟
يرى الكتاب أنّ الازدهار يغري بالاحتيال من ثلاث جهات. فالأولى أنّ الطمع يرتفع مع ارتفاع الأسعار، فيصبح الناس أكثر استعدادًا لتصديق الوعود الكبيرة. والثانية أنّ ارتفاع الأسعار يخفي الخسائر، فالشركة التي تخسر في نشاطها الحقيقيّ قد تبدو رابحةً ما دامت قيمة أصولها ترتفع. والثالثة أنّ الرغبة في التدقيق تضعف، فحين يربح الجميع لا يسأل أحدٌ أسئلةً صعبة، ومن يسأل يُتّهم بأنّه لا يفهم العصر الجديد. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: صندوقٌ يعلن عوائد منتظمة لافتة في كلّ شهر، فلا يدقّق فيه المستثمرون ما دامت التوزيعات تصلهم، حتّى لو كانت تأتي من أموال المستثمرين الجدد لا من أرباحٍ حقيقيّة. ويتناول دليل تاريخٌ موجز للنشوة الماليّة الجانب النفسيّ من هذه الظاهرة، أي الخلط بين الثروة والعبقريّة.
طيفٌ من التجاوزات
لا يقتصر ما يقصده الكتاب على الاحتيال الصريح، بل يشمل طيفًا واسعًا يبدأ بالمبالغة في الترويج، ويمرّ بالتلاعب بالحسابات وتجميل الأرقام، وتضارب المصالح بين المروّجين والمستثمرين، وينتهي بالسرقة المباشرة. ومن أشهر صوره ما يُعرف بـ مخطّط بونزيمخطّطٌ احتياليّ يَعِد المستثمرين بعوائد مرتفعة، ثمّ يدفع للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد بدل أرباحٍ حقيقيّة، فيستمرّ ما دام تدفّق الأموال الجديدة قائمًا وينهار حين يتباطأ.، الذي يدفع للقدامى من أموال الجدد. ويلاحظ الكتاب أنّ الحدّ بين المبالغة المشروعة والخداع يصبح ضبابيًّا في النشوة، فبعض من يبدؤون بتفاؤلٍ صادق ينزلقون تدريجيًّا إلى إخفاء الخسائر أملًا في أن يعوّضها الارتفاع القادم. ولا ينبغي الخلط بين هذا المخطّط و«تمويل بونزي» في تصنيف مينسكي الذي عرضناه في الفصل الرابع، فذاك وصفٌ لهشاشة مقترضٍ قد يكون صادقًا، وهذا احتيالٌ متعمّد. ويحذّر درس كيف تكتشف عمليّات الاحتيال الاستثماريّ من العلامات المتكرّرة لهذه المخطّطات، ويشرح درس خرافة الثراء السريع لماذا تجذب الوعود الكبيرة كثيرًا من الضحايا.
الانكشاف شرارةً للذعر
ينكشف معظم الاحتيال حين يتوقّف تدفّق الأموال الجديدة. فالمخطّط الذي كان يعيش على أموال القادمين المتأخّرين ينهار حين يتباطأ قدومهم، والشركة التي كانت تخفي خسائرها خلف ارتفاع الأسعار تنكشف حين تنخفض. وهنا يلفت الكتاب إلى أمرٍ مهمّ: أنّ انكشاف احتيالٍ كبير قد يكون هو نفسه الحدث الذي يحوّل الضيق إلى ذعر، لأنّه لا يضرب ضحاياه المباشرين فحسب، بل يهزّ الثقة بالنظام كلّه. فإذا كان هذا الاسم المعروف محتالًا، فمن يضمن أنّ غيره ليس كذلك؟ وهكذا يتحوّل الشكّ في مؤسّسةٍ واحدة إلى شكٍّ في القطاع كلّه. ولهذا يرى الكتاب في موجة الاحتيال المتكشّفة علامةً على أنّ الدورة بلغت مراحلها المتأخّرة، لا سببًا أوّلًا لها.
عرضنا في هذا الفصل الوجه المظلم لأواخر الدورة. في الفصل التالي نرفع النظر عن البلد الواحد لنرى كيف تعبر الأزمات الحدود، وما القنوات التي تنقلها من سوقٍ إلى أخرى. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأزمات الماليّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.