فيتالي كاتسنلسون مدير محافظ أمريكيّ وُلد في روسيا وهاجر صغيرًا، وكتب هذا الكتاب الصغير بعد سنواتٍ طويلة من العمل في إدارة أموال العملاء وتدريس الاستثمار. وقد شغله سؤالٌ واحد: كيف يتصرّف المستثمر حين لا تكون السوق في صعودٍ يكافئ الصبر، ولا في هبوطٍ يفرض الحذر، بل في حالةٍ وسطى مُنهِكة تتأرجح فيها الأسعار سنواتٍ ثمّ تعود إلى حيث كانت؟ ويبدأ هذا الدليل من الصورة الكبيرة: الأسواق لها أمزجةٌ طويلة.
ثلاثة أنواعٍ لا نوعان
اعتاد كثيرٌ من المستثمرين أن يقسموا الأسواق إلى صاعدةٍ وهابطة، وتجد تعريف هذين الوصفين في مسرد السوق الصاعدة والسوق الهابطة. لكنّ الكتاب يضيف نوعًا ثالثًا يسمّيه السوق العرضيّةمرحلةٌ طويلة من حياة السوق تمتدّ سنواتٍ عديدة تتأرجح فيها الأسعار صعودًا وهبوطًا بحدّة أحيانًا، لكنّها تنتهي في المحصّلة قريبًا من المستوى الذي بدأت منه، فلا يحصد المستثمر في المؤشّر إلّا القليل من مكاسب الأسعار.. وهي ليست سوقًا هادئة كما قد يوحي الاسم، بل قد تحتوي على موجاتٍ صاعدة قويّة وموجاتٍ هابطة مؤلمة، غير أنّ صافي ما تتركه للمستثمر بعد سنواتٍ كثيرة يكون متواضعًا مقارنةً بالجهد والقلق اللذين عاشهما.
المدى الطويل والموجات داخله
يفرّق الكتاب بين ما يمكن تسميته المرحلة طويلة الأجلالاتّجاه العامّ الذي يحكم السوق عبر فترةٍ طويلة قد تمتدّ عقدًا أو أكثر، ويختلف عن الموجات القصيرة التي تصعد وتهبط داخله خلال أشهرٍ أو سنواتٍ قليلة. وبين الدورات القصيرة التي تتعاقب داخلها. فقد تشهد مرحلةٌ عرضيّة واحدة عدّة موجات صعودٍ يظنّ الناس في كلّ منها أنّ زمن الصعود الطويل قد عاد، ثمّ تأتي موجة هبوطٍ فتعيد الأسعار إلى منتصف النطاق أو أدنى. ويعرض درس دورة السوق مراحل الصعود والهبوط القصيرة، وهذا الكتاب يضع فوقها طبقةً أطول زمنًا.
مثالٌ توضيحيّ
لنفترض للتوضيح فقط مؤشّرًا يبدأ مرحلةً ما عند مستوى مئة نقطة. خلال السنوات التالية يرتفع إلى مئةٍ وأربعين، ثمّ يهبط إلى سبعين، ثمّ يصعد إلى مئةٍ وثلاثين، ثمّ يهبط إلى ثمانين، وبعد اثني عشر عامًا يقف عند مئةٍ وخمس نقاط. من دخل في القمّة يشعر بالخسارة، ومن دخل في القاع يشعر بالعبقريّة، ومن بقي طوال المدّة لم يحصل من الأسعار إلّا على القليل. هذه الأرقام من عندنا ولا تصف سوقًا بعينها، لكنّها تصوّر الشعور الذي يحاول الكتاب وصفه.
لماذا يهمّ هذا التمييز؟
تقوم كثيرٌ من النصائح الشائعة على افتراضٍ ضمنيّ بأنّ الأسهم ترتفع على المدى الطويل، وهو افتراضٌ له سنده التاريخيّ كما يشرح دليل الأسهم على المدى الطويل. لكنّ الكتاب يذكّر بأنّ «المدى الطويل» قد يتضمّن فتراتٍ تمتدّ عقدًا أو أكثر لا تكافئ فيها الأسعار المستثمرين، وأنّ من يبدأ رحلته في بداية مرحلةٍ كهذه قد يعيش جزءًا كبيرًا من حياته الاستثماريّة فيها. ولهذا يرى أنّ فهم المرحلة يغيّر التوقّعات وطريقة الإدارة، دون أن يعني ذلك القدرة على التنبّؤ بها.
رسمنا في هذا الفصل الصورة العامّة. في الفصل التالي نفكّك عائد السهم إلى مكوّناته لنفهم من أين تأتي هذه المراحل الطويلة أصلًا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التقييم ودورات الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.