إذا كان ثمّة خيطٌ واحد يجمع النوبات المضاربيّة التي يتأمّلها غالبريث، فهو الدَّين. قد تختلف السلعة من زهرةٍ إلى سهمٍ إلى عقار، وقد يختلف البلد من هولندا إلى فرنسا إلى أمريكا، لكنّ المال المقترض حاضرٌ في الخلفيّة تقريبًا كلّ مرّة. وهذا الفصل يشرح لماذا: فالدَّين لا يكتفي بتمويل الفقاعة، بل يضخّمها في صعودها، ثمّ يحوّل هبوطها إلى انهيار.
سقفٌ يرفعه الاقتراض
لو اشترى الجميع بما يملكون فقط، لكان للأسعار حدٌّ طبيعيّ: حجم المدّخرات المتاحة. لكنّ الاقتراض يرفع هذا الحدّ. فمن يملك عشرة آلاف ويقترض تسعين ألفًا يدخل السوق كأنّه يملك مئة ألف. ومع تكرار ذلك على نطاقٍ واسع، يتدفّق إلى الأصل مالٌ أكبر بكثير ممّا يملكه المشترون حقًّا، فيرتفع السعر بقدر ما يتوفّر من ائتمان لا بقدر ما يتوفّر من ثروة. ولهذا كثيرًا ما تتزامن الفقاعات مع فترات الائتمان السهل والفائدة المنخفضة.
الشراء بالهامش: رافعةٌ في متناول الجميع
من أوضح صور هذا الاقتراض الشراء بالهامششراء أوراقٍ ماليّة بجزءٍ من المال الخاصّ، واقتراض الباقي من الوسيط مع رهن الأوراق المشتراة ضمانًا للقرض، فيتضخّم الربح إن ارتفع السعر وتتضخّم الخسارة إن انخفض.، الذي انتشر على نطاقٍ واسع في الأسواق الأمريكيّة في العشرينيّات. فإذا اشتريت أسهمًا بمئة ألف دفعت منها عشرين واقترضت ثمانين، فإنّ ارتفاع السعر عشرة في المئة يمنحك عشرة آلاف، أي نصف ما دفعته. هذا ما يجعل الرافعة مغرية. لكنّ الوجه الآخر لا يقلّ وضوحًا: هبوط عشرين في المئة فقط يكفي لمحو كامل مالك. وهذه هي المعادلة التي يشرحها درس الرافعة الماليّة في أكاديميّة أُسس بالأرقام.
حين ينقلب الاتّجاه
في الصعود يعمل الدَّين وقودًا، وفي الهبوط يعمل مسرّعًا. حين تنخفض الأسعار تنخفض قيمة الضمانات، فيطالب المقرضون بأموالٍ إضافيّة، وهو ما يعرفه المتداولون باسم نداء الهامش. ومن لا يستطيع الدفع يُباع مركزه رغمًا عنه، فيزداد العرض في السوق، وتنخفض الأسعار أكثر، فتصدر نداءاتٌ جديدة لمقترضين آخرين. هكذا تنشأ حلقة التصفية القسريّةسلسلةٌ يؤدّي فيها هبوط السعر إلى انخفاض قيمة الضمانات، فيُجبَر المقترضون على البيع لسداد ديونهم، فيهبط السعر أكثر، فتُجبَر فئةٌ جديدة على البيع، وهكذا حتّى يتسارع الهبوط بصورةٍ تتجاوز ما تبرّره المعلومات الجديدة.، التي تفسّر لماذا تنهار الأسواق المموّلة بالدَّين بسرعةٍ تبدو غير منطقيّة لمن يراقبها من الخارج.
الفرق بين من يملك ومن يقترض
الدرس الأعمق هنا أنّ الدَّين يغيّر طبيعة العلاقة بين المستثمر والزمن. من يشتري بماله الخاصّ يملك ترف الانتظار؛ قد يرى أصله ينخفض إلى النصف ثمّ يعود بعد سنوات. أمّا من يشتري بمالٍ مقترض فقد يُجبَر على البيع في أسوأ لحظة، فتصير الخسارة المؤقّتة خسارةً نهائيّة. ولهذا تبدأ إدارة المخاطر في أكاديميّة أُسس بسؤالٍ بسيط: كم يمكن أن أخسر دون أن أُجبَر على الخروج؟ فالبقاء في السوق شرطٌ لكلّ ما بعده.
عرفنا في هذا الفصل أنّ الدَّين هو المحرّك المشترك للنشوة والانهيار. في الفصل التالي نعود إلى الوراء قرونًا لنرى هذه الآليّات وهي تعمل في ثلاث محطّاتٍ تاريخيّة مبكّرة: زهور التوليب في هولندا، وتجربة جون لو في فرنسا، وشركة بحر الجنوب في بريطانيا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.