في كلّ نوبةٍ من نوبات النشوة تقريبًا تظهر أداةٌ ماليّة يُحتفى بها كأنّها اكتشافٌ غير مسبوق: صيغةٌ جديدة للتمويل، أو شركةٌ من طرازٍ مختلف، أو ورقةٌ ماليّة تعد بعائدٍ أعلى ومخاطرةٍ أقلّ. ويرى غالبريث أنّ هذا الاحتفاء جزءٌ من المسرحيّة نفسها. فالناس يحتاجون إلى سببٍ يقنعهم بأنّ ما يحدث ليس تكرارًا لما حدث قبلهم، والأداة الجديدة تقدّم هذا السبب جاهزًا.
ما الجديد حقًّا؟
حين تُفكَّك كثيرٌ من هذه الأدوات إلى عناصرها الأولى، يتبيّن أنّ جوهرها قديمٌ جدًّا: مالٌ مقترض يُستخدم لشراء أصل، على أمل أن يرتفع الأصل بما يكفي لسداد الدَّين وتحقيق الربح. هذا هو جوهر الرافعة الماليّة منذ قرون. ما يتغيّر هو الغلاف: طبقاتٌ من التعقيد، وأسماءٌ لامعة، ونماذج حسابيّة تمنح الشعور بأنّ المخاطرة قد رُوّضت. ويسمّى هذا النشاط في صورته العامّة الهندسة الماليّةتصميم أدواتٍ وعقودٍ ماليّة جديدة بإعادة تركيب عناصر أساسيّة كالدَّين والملكيّة والضمان والتوزيع الزمنيّ للتدفّقات، وقد يخدم أهدافًا مفيدة، لكنّه قد يُخفي أيضًا مستوى مرتفعًا من الاقتراض وراء بنيةٍ يصعب فهمها.، وهي في ذاتها ليست شرًّا، لكنّها تصير خطرًا حين تُستعمل لإخفاء الدَّين لا لإدارته.
التعقيد بوصفه ستارًا
كلّما ازداد تعقيد الأداة، قلّ عدد من يفهمونها فعلًا، وازداد عدد من يشترونها ثقةً بمن يبيعها. وهنا يلتقي هذا الفصل بما سبقه: إن كانت المؤسّسة الكبيرة تروّج للأداة، وكان الرابحون الأوائل يمدحونها، فمن يجرؤ على القول إنّه لا يفهمها؟ يتحوّل التعقيد إلى سلطة، ويصير السؤال البسيط «من أين يأتي هذا العائد؟» سؤالًا ساذجًا لا يليق بمن يريد أن يبدو ذكيًّا.
العائد المرتفع ثمنُه مخاطرة
من أمثلة ذلك ما عرفته الأسواق في ثمانينيّات القرن الماضي من انتشار السندات عالية العائدسنداتٌ تصدرها جهاتٌ ذات تصنيفٍ ائتمانيّ منخفض، فتدفع فائدةً أعلى من السندات الآمنة تعويضًا عن احتمالٍ أكبر للتعثّر في السداد، وقد شاع استخدامها في الثمانينيّات لتمويل صفقات استحواذٍ قائمة على اقتراضٍ كثيف.، التي قُدّمت لكثيرين على أنّها فرصةٌ تجمع العائد المرتفع والمخاطرة المعقولة. والفكرة في ذاتها مفهومة: من يُقرض جهةً أضعف يطلب فائدةً أعلى. لكنّ المشكلة تبدأ حين ينسى المشترون لماذا كانت الفائدة أعلى أصلًا. فلو أقرضت مئة وحصلت على اثني عشر سنويًّا بدل خمسة، فالفرق سبعة ليس هديّة، بل تعويضٌ عن احتمالٍ حقيقيّ بأن لا يعود جزءٌ من المئة.
أسئلةٌ تفكّك الأداة
الدرس العمليّ لا يدعو إلى رفض كلّ جديد، بل إلى فحصه بأسئلةٍ بسيطة: من أين يأتي العائد فعلًا؟ كم من الدَّين يقف خلفه؟ ماذا يحدث لو هبط الأصل الأساسيّ عشرين أو ثلاثين في المئة؟ ومن يتحمّل الخسارة حينها؟ ومن أراد أن يفهم كيف تضخّم الرافعة الربح والخسارة معًا يجد شرحًا مفصّلًا في درس الرافعة الماليّة في أكاديميّة أُسس. فإن عجزت عن الإجابة عن هذه الأسئلة بلغةٍ بسيطة، فالأرجح أنّ الأداة أعقد من أن تُشترى بثقة.
كشفنا في هذا الفصل أنّ الجديد في الأدوات الماليّة كثيرًا ما يكون غلافًا لدَينٍ قديم. في الفصل التالي نتعمّق في هذا الدَّين نفسه، بوصفه المحرّك المشترك لكلّ النوبات تقريبًا، ونرى كيف يحوّل الهبوط العاديّ إلى انهيارٍ متسلسل. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.