من الأفكار اللافتة التي يعود إليها غالبريث أنّ المجتمعات تميل إلى معاملة المال كأنّه شهادةٌ على الذكاء. من جمع ثروة كبيرة يُستمع إليه في كلّ شيء، ومن يدير أموالًا ضخمة يُفترض أنّه يرى ما لا يراه غيره. وهذا الافتراض، كما يبيّن الفصل، ليس مجرّد خطأ اجتماعيّ بريء، بل أحد المحرّكات الخفيّة للنشوة الماليّة؛ لأنّه يمنح أصحاب الحماسة سلطةً معرفيّة لا يستحقّها ربحهم بالضرورة.
الربح ليس برهانًا
في سوقٍ ترتفع فيها معظم الأسعار، يبدو كثيرون عباقرة. تخيّل سوقًا صعدت ثلاثين في المئة في عامٍ واحد، ومستثمرًا ربح خمسةً وعشرين في المئة؛ قد يشعر بأنّه أحسن الاختيار، مع أنّه في الواقع حقّق أقلّ ممّا حقّقته السوق نفسها. المشكلة أنّ العقل البشريّ يحكم على القرار بنتيجته، فيقع في انحياز النتيجةميلُ الإنسان إلى الحكم على جودة القرار من خلال نتيجته وحدها، فيرى القرار الذي جاء بربحٍ قرارًا ذكيًّا والذي جاء بخسارةٍ قرارًا غبيًّا، متجاهلًا دور الحظّ والظروف العامّة في النتيجة.: ما دام الربح قد تحقّق، فلا بدّ أنّ الطريقة كانت صحيحة. وفي أوقات النشوة يتراكم هذا الوهم، فيزداد الرابحون ثقةً بأنفسهم، ويخاطرون أكثر، تمامًا حين يكون الأجدر بهم أن يخاطروا أقلّ.
هالةٌ حول الحجم
ويمتدّ الوهم من الأفراد إلى المؤسّسات. فالمصرف الكبير أو الصندوق الضخم يحيط به ما يسمّيه علماء النفس تأثير الهالةميلٌ ذهنيّ يجعلنا نعمّم انطباعًا إيجابيًّا واحدًا عن شخصٍ أو مؤسّسة، كالثراء أو الشهرة أو الحجم، على صفاتٍ أخرى لا علاقة لها به، فنفترض مثلًا أنّ صاحب الثروة الكبيرة يملك بالضرورة حكمًا سليمًا في كلّ شأنٍ ماليّ.: نفترض أنّ من يملك هذا الحجم من المال لا بدّ أنّه يعرف ما يفعل. لكنّ التاريخ يذكّرنا بأنّ مؤسّساتٍ عريقة كثيرة كانت في قلب النوبات المضاربيّة لا على هامشها، وأنّ بعضها انهار حين انقلبت الموجة. الحجم قد يمنح قدرةً على التحمّل، لكنّه لا يمنح مناعةً من الخطأ.
الحظّ الذي يلبس ثوب المهارة
لا يعني هذا أنّ المهارة غير موجودة، بل أنّ تمييزها عن الحظّ صعبٌ في المدى القصير، وأصعب في أوقات الصعود العامّ. وقد فصّل نسيم طالب هذه الفكرة في كتبه، ويمكن الرجوع إلى دليلنا لكتاب البجعة السوداء لفهم كيف تخدعنا سلسلةٌ من النجاحات عن حجم المخاطر النادرة المختبئة خلفها. فالرابح في موجةٍ صاعدة قد لا يكون سوى شخصٍ وقف في المكان الصحيح، ثمّ ظنّ أنّه هو من صنع الموجة.
تواضعٌ يحمي
العلاج الذي يوحي به هذا الفصل بسيطٌ وصعبٌ معًا: أن نفصل بين احترامنا لثروة شخصٍ ما وتصديقنا لرأيه. أن نسأل عن الأسباب لا عن الأحجام، وأن نتذكّر أنّ صاحب المال الكبير قد يتحمّل خسارةً تدمّر غيره. وأن ننظر إلى أرباحنا نحن في الأوقات الجيّدة بشيءٍ من الشكّ، فنسأل: كم منها جاء من قراري وكم جاء من السوق؟ وهذه الروح هي ما تبنيه دروس علم نفس التداول في أكاديميّة أُسس، حيث يكون التواضع أمام السوق مهارةً تُكتسب لا ضعفًا يُخفى.
رأينا في هذا الفصل كيف يمنح المال أصحابه سلطةً معرفيّة قد لا يستحقّونها. في الفصل التالي نفحص أداةً أخرى من أدوات النشوة: «الابتكار» الماليّ الذي يبدو جديدًا كلّ مرّة، لكنّه كثيرًا ما يكون صيغةً مستحدثة لفكرةٍ قديمة جدًّا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.