بعد أن ميّزنا بين الدورتين، نقترب الآن من مرحلة الصعود في دورة الدين الكبرى. والمفارقة التي يلحّ عليها هذا الإطار أنّ السنوات التي يُزرع فيها الخطر هي نفسها السنوات التي يشعر فيها الجميع بالرخاء. فالفقاعة لا تبدو فقاعةً من الداخل، بل تبدو ازدهارًا مستحقًّا.
البداية الصحّيّة
تبدأ الدورة غالبًا من وضعٍ سليم: دينٌ معتدل قياسًا إلى الدخل، وأسعار أصولٍ معقولة، وفائدةٌ تسمح بالاقتراض. في هذه المرحلة يموّل الدين استثماراتٍ منتجة، فترتفع الدخول بقدر ما يرتفع الدين أو أكثر، ويبقى العبء محتملًا. ولا يحمل هذا النموّ في ذاته أيّ خطر، بل هو الصورة التي يتمنّاها كلّ اقتصاد.
حين يصبح الاقتراض محرّك الأسعار
يتغيّر المشهد حين يبدأ الدين في النموّ أسرع من الدخل مدّةً طويلة. والمحرّك المعتاد هنا هو أسعار الأصول. فالمساكن أو الأسهم ترتفع، فيشعر أصحابها بأنّهم أغنى، فيقترضون بضمانها لينفقوا أو ليشتروا مزيدًا من الأصول، فترتفع الأسعار أكثر. وهذا هو أثر الثروةأثرٌ يشعر فيه الناس بأنّهم أغنى حين ترتفع قيمة ما يملكونه من أصول، فيزيدون إنفاقهم أو اقتراضهم حتّى لو لم ترتفع دخولهم الفعليّة. في صورته المضخّمة بالدين. ولنتخيّل مستثمرًا يشتري أصلًا بمئة ألف، دفع منها عشرين واقترض ثمانين. إن ارتفع السعر عشرة في المئة ربح نصف ما دفعه تقريبًا، فيغريه ذلك بتكرار التجربة بمبلغٍ أكبر. وهذا هو منطق الرافعة الماليّة حين يصبح سلوكًا جماعيًّا.
علاماتٌ عامّة على الطريق
لا يقدّم الكتاب وصفةً لاكتشاف الفقاعات بدقّة، لكنّه يلفت الانتباه إلى علاماتٍ عامّة متكرّرة. منها أن تُشترى الأصول بأسعارٍ لا تبرّرها إلّا فرضيّة استمرار الصعود، وأن يكثر الشراء بالدين، وأن ينتشر الاعتقاد بأنّ قواعد التقييم القديمة لم تعد صالحة، وأن يتّسع الإقراض لمقترضين أضعف، وأن تبقى الفائدة منخفضة رغم سخونة النشاط. وقد عرض دليل الرهان الكبير على الانهيار كيف اجتمعت كثيرٌ من هذه العلامات في سوق المساكن الأمريكيّ قبل 2008.
لماذا لا يراها أحد؟
في قلب الفقاعة تبدو كلّ المؤشّرات الظاهرة ممتازة: الدخول ترتفع، والبطالة تنخفض، والمقترضون يسدّدون في موعدهم لأنّ أسعار الأصول ترتفع وتسمح بإعادة التمويل. وكلّ من حذّر قبل سنتين يبدو اليوم مخطئًا. وهنا يعمل ما سمّاه جورج سوروس الانعكاسيّةعلاقةٌ دائريّة يؤثّر فيها تصوّر المشاركين في السوق في الأسعار والوقائع، ثمّ تعود الأسعار والوقائع لتؤكّد التصوّر نفسه، فيتعزّز الاتّجاه حتّى ينكسر.، فالتفاؤل يرفع الأسعار، والأسعار المرتفعة تبرّر التفاؤل، كما شرح دليل خيمياء المال. ويكون اتّباع القطيع أقوى ما يكون حين تبدو النتائج مؤكّدة.
رأينا في هذا الفصل كيف يتراكم الخطر في سنوات الرخاء. في الفصل التالي ننتقل إلى اللحظة الأصعب: القمّة والانعطاف، حين يتوقّف الصعود وتبدأ الحلقة نفسها في الدوران إلى الأسفل. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.