رأينا في الفصل السابق أنّ الائتمان يجعل الاقتصاد يتحرّك في دورات. لكنّ هذا الإطار يلفت الانتباه إلى أنّنا لا نتحدّث عن دورةٍ واحدة بل عن دورتين متداخلتين، تختلفان في طولهما وفي أدوات علاجهما. والخلط بينهما من أكثر الأخطاء شيوعًا في قراءة الأزمات الكبرى.
الدورة القصيرة: الإيقاع المألوف
تعرف أغلب الاقتصادات إيقاعًا يتكرّر كلّ خمس سنواتٍ إلى عشرٍ تقريبًا. يتوسّع الائتمان فيرتفع الإنفاق والتوظيف، ثمّ يبدأ التضخّم في الارتفاع، فيرفع البنك المركزيّ الفائدة لتهدئته، فيصبح الاقتراض أغلى ويتباطأ الإنفاق، وقد ينتهي الأمر إلى ركودٍ قصير. وحين يتراجع التضخّم يخفض البنك المركزيّ الفائدة فيعود الاقتراض والإنفاق، وتبدأ دورةٌ جديدة. وهذه هي دورة الدين القصيرةتقلّبٌ متكرّر في النشاط الاقتصاديّ يمتدّ عادةً بضع سنوات، ويحرّكه أساسًا رفع البنك المركزيّ للفائدة وخفضها، فيتوسّع الائتمان ثمّ ينكمش ثمّ يتوسّع من جديد. التي يعرفها الناس من نشرات الأخبار.
الدورة الطويلة: التراكم الصامت
الملاحظة المهمّة أنّ الدين في نهاية كلّ دورةٍ قصيرة لا يعود عادةً إلى مستواه في بدايتها. فالعلاج المعتاد للركود هو تشجيع الاقتراض من جديد، فتبدأ كلّ دورةٍ من قاعدةٍ أعلى قليلًا. ولنتخيّل أنّ نسبة الدين إلى الدخل كانت مئةً في المئة، ثمّ صارت بعد دورةٍ مئةً وعشرين، ثمّ مئةً وأربعين، ثمّ مئةً وستّين. ويُعرف هذا المقياس بـنسبة الدين إلى الدخلمقياسٌ يقارن إجماليّ ما على الأسر أو الشركات أو الحكومة أو الاقتصاد كلّه من ديونٍ بالدخل السنويّ المتاح لسدادها، وارتفاعه المستمرّ يعني أنّ الدين ينمو أسرع من القدرة على خدمته.. ولا تشعر أيّ دورةٍ منفردة بأنّها خطرة، لكنّ التراكم عبر عقود يصنع دورةً أكبر تمتدّ نصف قرنٍ أو أكثر، تنتهي حين يصبح عبء الدين ثقيلًا إلى حدّ أنّ أدوات الدورة القصيرة لم تعد تكفي.
حين يفقد الدواء المعتاد مفعوله
في نهاية الدورة الطويلة تكون الفائدة قد انخفضت مرّةً بعد مرّة حتّى اقتربت من الصفر، فلا يبقى للبنك المركزيّ مجالٌ واسع لخفضها. وفي الوقت نفسه يكون المقترضون مثقلين إلى حدّ أنّ الفائدة المنخفضة لم تعد تغريهم بمزيدٍ من الاقتراض، بل يحاولون السداد. وهنا يدخل الاقتصاد مرحلةً مختلفة نوعيًّا، يصبح فيها السؤال ليس كيف نعيد تشغيل الائتمان، بل كيف نخفّض عبء الدين نفسه دون أن ينهار الاقتصاد. ويساعد درس الفائدة الحقيقيّة على فهم لماذا لا يكفي الرقم الاسميّ للفائدة لقراءة كلفة الدين الفعليّة.
لماذا ننسى الدورة الطويلة؟
السبب بسيط: الدورة الطويلة أطول من الذاكرة المهنيّة لأغلب الناس. فمن عاش أزمة دينٍ كبرى في شبابه يكون قد تقاعد حين تقترب الأزمة التالية، ومن يدير الأموال اليوم لم يرَ إلّا دوراتٍ قصيرة انتهت كلّها بخفض الفائدة وعودة الصعود. ولذلك يعتمد الكتاب على دراسة التاريخ لا على الخبرة الشخصيّة وحدها، فقِصر الذاكرة الماليّة من أهمّ ما يسمح للتاريخ بأن يتكرّر.
رأينا في هذا الفصل الفرق بين الدورتين. في الفصل التالي نقترب من مرحلة الصعود لنفهم كيف تتشكّل فقاعة الدين، ولماذا تبدو أجمل سنوات الرخاء هي نفسها السنوات التي يُزرع فيها الخطر. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.