رأينا في الفصل السابق كيف تتغذّى فقاعة الدين على نفسها. لكنّ أيّ حلقةٍ تعتمد على نموّ الدين أسرع من الدخل لا يمكن أن تستمرّ إلى الأبد. وفي هذا الفصل نتتبّع اللحظة التي تتوقّف فيها الحلقة عن الصعود، ونفهم لماذا يكون الانعطاف في دورات الدين الكبرى أعنف من مجرّد تباطؤٍ عاديّ.
التشديد: يدٌ تضغط على المكابح
في قمّة الفقاعة يكون الاقتصاد ساخنًا والأسعار مرتفعة، فيميل البنك المركزيّ إلى رفع الفائدة لتهدئة التضخّم أو للحدّ من المضاربة. وهذا هو التشديد النقديّسياسةٌ نقديّة يرفع فيها البنك المركزيّ أسعار الفائدة أو يقلّص السيولة المتاحة، فيصبح الاقتراض أغلى وأصعب، بهدف تهدئة التضخّم أو النشاط المفرط.. ولأنّ الدين صار كبيرًا، فإنّ رفعًا معتدلًا في الفائدة يكفي ليضغط على المقترضين. فمن كان يدفع خمسة آلاف سنويًّا فوائد على دينٍ قدره مئة ألف بفائدة خمسة في المئة، صار يدفع سبعة آلاف حين ترتفع الفائدة إلى سبعة في المئة، دون أن يرتفع دخله. وحين يتكرّر ذلك عند ملايين المقترضين يتراجع الإنفاق. ويشرح درس منحنى العائد كيف يعكس تقارب الفائدة القصيرة والطويلة أو انقلابها هذا الضغط في الأسواق.
حين يتوقّف المشترون الجدد
الفقاعة القائمة على الدين تحتاج إلى تدفّقٍ مستمرّ من المشترين الجدد المموَّلين بالقروض. فإذا ارتفعت كلفة الاقتراض أو تشدّدت المصارف في شروطها، قلّ هؤلاء المشترون، فتتوقّف الأسعار عن الصعود. وهنا تظهر المشكلة الخفيّة: كثيرٌ من المقترضين كانوا يعتمدون على استمرار الصعود لإعادة التمويل أو لتبرير ما اشتروه. فيكفي أن تتوقّف الأسعار، لا أن تنهار، حتّى تبدأ الحسابات في الاختلال.
الحلقة نفسها في الاتّجاه المعاكس
ما رفع الأسعار والدخول في الصعود يخفضهما الآن. فهبوط أسعار الأصول يقلّص قيمة الضمانات، فتتردّد المصارف في الإقراض، فيقلّ الإنفاق، فتتراجع الدخول والأرباح، فيصعب سداد الديون، فيضطرّ بعض المقترضين إلى البيع، فتهبط الأسعار أكثر. ويُعرف هذا البيع الاضطراريّ عند المتداولين المرفوعين بآليّة نداء الهامش، لكنّ منطقه يمتدّ إلى الأسر والشركات والمصارف. وكلّما كانت الرافعة أعلى في الصعود كان الهبوط أعنف، وهو ما رأيناه في دليل حين أخفقت العبقريّة.
من أزمة أسعار إلى أزمة ثقة
في مرحلةٍ ما يتحوّل السؤال من «كم ستهبط الأسعار؟» إلى «من يستطيع السداد؟». وتصبح الملاءة قصيرة الأجلقدرة المؤسّسة أو الفرد على الوفاء بالالتزامات العاجلة نقدًا في موعدها، دون الاضطرار إلى بيع الأصول بخسارةٍ كبيرة أو الاقتراض بشروطٍ قاسية. محلّ شكٍّ حتّى عند مؤسّساتٍ سليمة في الأصل، لأنّ المقرضين يسحبون أموالهم من كلّ ما يشبه الخطر. وهنا تجفّ السيولة، فتنتقل الأزمة من سوق أصلٍ واحد إلى النظام الماليّ كلّه.
رأينا في هذا الفصل كيف ينعطف المسار. في الفصل التالي نميّز بين نوعين كبيرين من أزمات الديون: أزمةٍ يغلب عليها الانكماش وهبوط الأسعار، وأزمةٍ يغلب عليها التضخّم وانهيار العملة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.