كُتب هذا الكتاب في قلب التسعينيّات، وهو عقدٌ اجتمعت فيه موجاتٌ متعدّدة: انفتاح أسواقٍ ناشئة على رؤوس الأموال العالميّة، وتوسّع استخدام المشتقّات الماليّة، وانتشار التداول الإلكترونيّ بين الأفراد، ثمّ حماسةٌ عارمة لكلّ ما يتّصل بالإنترنت. ويحاول الكتاب أن يقرأ هذا العقد بعين المؤرّخ، فيرى ملامح مألوفة تحت الأسماء الجديدة.
المال الساخن والأسواق الناشئة
مع تحرير حركة رؤوس الأموال تدفّقت مبالغ ضخمة إلى اقتصاداتٍ ناشئة في أمريكا اللاتينيّة وآسيا، بحثًا عن عوائد أعلى ممّا تقدّمه الأسواق المتقدّمة. وكثيرًا ما كان هذا التدفّق من نوع المال الساخنأموالٌ استثماريّة قصيرة الأجل تنتقل بسرعة بين الدول والأسواق بحثًا عن عائدٍ أعلى، وتنسحب بالسرعة نفسها عند أوّل اهتزازٍ في الثقة، فتضخّم الطفرات والأزمات معًا. الذي يدخل سريعًا ويخرج سريعًا. فشهدت المكسيك أزمة عملةٍ حادّة في منتصف العقد، ثمّ انتقلت العدوى إلى عددٍ من دول شرق آسيا عام 1997، فروسيا في العام التالي. وفي كلّ مرّة كان النمط متشابهًا: ازدهارٌ ممّول بديونٍ قصيرة الأجل بعملةٍ أجنبيّة، ثمّ انسحابٌ مفاجئ يضرب العملة والمصارف والأسهم معًا.
المشتقّات والنماذج الواثقة
توسّع في هذا العقد استخدام الخيارات والعقود الآجلة وأدواتٍ أكثر تعقيدًا، وصاحبه إيمانٌ متزايد بقدرة النماذج الرياضيّة على قياس المخاطر والسيطرة عليها. وفي عام 1998 تعثّر صندوق تحوّطٍ شهير أداره متداولون بارزون وأكاديميّون حائزون جوائز رفيعة، بعدما بنى مراكز ضخمة بالرافعة على افتراض أنّ العلاقات التاريخيّة بين الأسعار ستستمرّ، واستدعى الأمر تدخّلًا منسّقًا لتجنّب اضطرابٍ أوسع. ويروي دليل حين أخفقت العبقريّة تفاصيل تلك الحلقة، أمّا الكتاب فيضعها في سياق ثقةٍ مفرطة تتكرّر كلّما ظنّ الناس أنّ أداةً جديدة روّضت المخاطرة.
الاقتصاد الجديد وأسهم الإنترنت
في السوق الأمريكيّة شاعت قصّةٌ مقنعة: أنّ التقنية والعولمة وحسن إدارة السياسة النقديّة صنعت اقتصادًا جديدًاتصوّرٌ شاع في أواخر التسعينيّات بأنّ التقنيات الرقميّة والعولمة غيّرت طبيعة النموّ والتضخّم والدورات الاقتصاديّة، فبرّر تقييماتٍ مرتفعة جدًّا لشركاتٍ لم تحقّق أرباحًا بعد. لا تنطبق عليه المقاييس القديمة. وتلاحقت الطروحات العامّة الأوّليّة لشركاتٍ ناشئة بلا أرباح ترتفع أسهمها أضعافًا في يومها الأوّل، وانضمّ ملايين الأفراد إلى التداول عبر الإنترنت، وصار تغيير اسم الشركة ليحمل إشارةً إلى الإنترنت كافيًا أحيانًا لرفع سعرها. ويرى الكتاب في ذلك صدًى واضحًا للسكك الحديديّة والعشرينيّات: تقنيةٌ حقيقيّة، وأسعارٌ تفترض أنّ كلّ شركةٍ ستكون من الرابحين.
بين التحذير والتنبّؤ
صدر الكتاب قبل انفجار فقاعة الإنترنت بفترةٍ قصيرة، لكنّه لم يدّعِ معرفة موعد نهايتها، بل اكتفى بإظهار البنية المتكرّرة. وهذا تمييزٌ مهمّ يفيد القارئ: أن ترى ملامح الهوس شيء، وأن تعرف متى ينتهي شيءٌ آخر تمامًا، فقد تستمرّ الحماسة أطول ممّا يتوقّع المتشكّكون. ويعرض درس خرافة توقيت السوق لماذا يصعب تحويل هذا الإدراك إلى توقيتٍ دقيق.
أنهينا في هذا الفصل الجولة التاريخيّة. في الفصل التالي نجمع الخيوط لنرسم تشريح الهوس: المراحل التي يمرّ بها، والقوى النفسيّة التي تحرّكه. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.