في أواخر الثمانينيّات بدت اليابان في نظر كثيرين نموذجًا لا يُقهر: شركاتٌ تغزو الأسواق العالميّة، ومصارف بين الأكبر في العالم، وفوائض تجاريّة ضخمة. وفي هذا المناخ نشأت فقاعةٌ في الأسهم والأراضي يعدّها الكتاب من أوضح الأمثلة الحديثة على تلاقي الائتمان السهل مع الثقة الوطنيّة المفرطة.
المال الرخيص بعد اتّفاق بلازا
في منتصف الثمانينيّات اتّفقت الدول الصناعيّة الكبرى على خفض قيمة الدولار، فارتفع الين وتضرّرت الصادرات اليابانيّة. وردًّا على ذلك خفّض المصرف المركزيّ الياباني أسعار الفائدة وأبقاها منخفضة سنواتٍ عدّة، فتدفّق الائتمان بغزارة. ولم يذهب هذا المال كلّه إلى الاستثمار المنتج، بل اتّجه جزءٌ كبير منه إلى الأسهم والعقارات. وانتشرت في الشركات ممارسةٌ عُرفت بالهندسة الماليّة، تحقّق فيها شركاتٌ صناعيّة أرباحًا من المضاربة في الأسواق أكثر ممّا تحقّقه من نشاطها الأصليّ.
الأرض ضمانًا والضمان ائتمانًا
كان قلب الآليّة في حلقة الضمان والائتمانالعلاقة التي يرتفع فيها حجم الإقراض كلّما ارتفعت قيمة الأصول المرهونة ضمانًا له، فيتدفّق المال الجديد إلى الأصول نفسها ويرفعها أكثر، ثمّ تنعكس الحلقة حين تهبط قيمة الضمان.: المصارف تقرض بضمان الأراضي، وكلّما ارتفعت أسعار الأراضي ارتفع ما يمكن اقتراضه، فيُستخدم جزءٌ من القروض في شراء مزيدٍ من الأراضي والأسهم. وزاد الأمر تعقيدًا أنّ الشركات والمصارف كانت تملك حصصًا في بعضها بعضًا، فارتفاع الأسهم يرفع قيمة ممتلكاتها المتبادلة، ويبدو كلّ ذلك ثروةً حقيقيّة. وتداولت الصحافة آنذاك مقارناتٍ لافتة عن قيمة أراضي طوكيو مقارنةً بدولٍ بأكملها، وهي صورةٌ تكشف إلى أيّ حدٍّ انفصلت الأسعار عن أيّ منطقٍ للعائد.
تبريرات التميّز
حين أشار مراقبون إلى أنّ مكرّرات الربحيّة في السوق اليابانيّة تجاوزت كثيرًا نظيراتها في العالم، جاءت الردود بأنّ اليابان مختلفة: محاسبةٌ مختلفة، وملكيّاتٌ متبادلة تحجب القيمة الحقيقيّة، وثقافةٌ اقتصاديّة لا تنطبق عليها المقاييس الغربيّة. ويلاحظ الكتاب أنّ الحجّة القائلة «هذه المرّة مختلفة» تأتي دائمًا في ثوبٍ محلّيّ مقنع، وأنّ قوّتها تكمن في أنّ جزءًا منها صحيحٌ فعلًا.
الانكماش الطويل
بلغ المؤشّر الرئيس للأسهم اليابانيّة ذروته في الأيّام الأخيرة من عام 1989، ثمّ بدأ المصرف المركزيّ رفع الفائدة، فانعكست الحلقة: هبطت الأسهم ثمّ الأراضي، وتآكلت الضمانات، وتراكمت القروض المتعثّرة في دفاتر المصارف. وبدل المعالجة الحاسمة، تأخّر الاعتراف بالخسائر سنواتٍ، فبقي الائتمان مختنقًا ودخلت البلاد حقبةً طويلة من الركود عُرفت بالعقد الضائع. ويعرض دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى كيف يختلف مسار الأزمات بحسب سرعة معالجة الديون.
رأينا في هذا الفصل كيف تعيش فقاعةٌ على الضمانات المتضخّمة. في الفصل التالي ننتقل إلى التسعينيّات، عقد الأسواق الناشئة والمشتقّات وحماسة الإنترنت، وهو العقد الذي صدر الكتاب في ذروته. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.