في السنة نفسها التي بلغ فيها نظام جون لو ذروته في باريس، كانت لندن تعيش هوسها الخاصّ. ويرى الكتاب في فقاعة بحر الجنوب حلقةً شديدة الثراء بالدروس، لأنّها جمعت في مكانٍ واحد الحكومة والشركة الكبرى والمستثمرين الصغار والمحتالين، وكشفت كيف يمكن أن تتلاقى مصالحهم على إشعال حماسةٍ لا يريد أحدٌ إطفاءها.
شركةٌ لإدارة الدَّين
تأسّست شركة بحر الجنوب في مطلع القرن الثامن عشر، ومُنحت امتياز التجارة مع المستعمرات الإسبانيّة في أمريكا الجنوبيّة، وهي تجارةٌ لم تحقّق الكثير فعليًّا. لكنّ عملها الحقيقيّ كان ماليًّا: أن تتولّى جزءًا من دين الحكومة البريطانيّة مقابل فائدةٍ سنويّة. وفي عام 1720 عرضت خطّةً طموحة لتحويل الجزء الأكبر من الدين العامّ إلى أسهمٍ فيها، ودفعت مبالغ كبيرة لتفوز بالصفقة، ووُزّعت أسهمٌ ومنافع على عددٍ من رجال السياسة.
معادلةٌ تكافئ ارتفاع السعر
لم يكن سعر التحويل بين السندات والأسهم ثابتًا، فكلّما ارتفع سعر السهم احتاجت الشركة إلى عددٍ أقلّ من الأسهم لاستبدال كلّ سند، وبقي لها فائضٌ تبيعه للجمهور بربح. هذا ما يسمّيه الاقتصاديّون تضارب المصالححالةٌ يكون فيها لصاحب القرار مصلحةٌ شخصيّة أو مؤسّسيّة تتعارض مع مصلحة من يُفترض أن يخدمهم، فيميل إلى قراراتٍ تفيده ولو أضرّت بهم.: صار لإدارة الشركة دافعٌ مباشر في رفع السعر بأيّ وسيلة، فأقرضت الناس ليشتروا أسهمها، وقسّطت أثمانها، وروّجت لأخبار مكاسب مستقبليّة مبالغٍ فيها. وخلال أشهرٍ قليلة من ذلك العام تضاعف سعر السهم مرّاتٍ عدّة.
شركات الفقاعة وقانونها
امتدّت الحماسة من الشركة الكبرى إلى عشرات المشاريع الصغيرة التي طُرحت في أزقّة الحيّ الماليّ في لندن، بعضها جادّ وكثيرٌ منها غامض أو وهميّ. وفي ذروة الصعود صدر ما عُرف لاحقًا بـ«قانون الفقاعة» الذي حظر تأسيس شركاتٍ مساهمة دون ترخيصٍ ملكيّ. ويلفت الكتاب إلى المفارقة: أنّ القانون جاء في الذروة لا بعد الانهيار، وأنّه خدم مصلحة الشركة الكبرى في احتكار أموال المضاربين أكثر ممّا حمى الجمهور. ثمّ جاء الانهيار في الخريف، وطالت الخسائر شخصيّاتٍ بارزة، من بينها العالم إسحاق نيوتن بحسب ما تتناقله المصادر.
ما بعد العاصفة
أعقبت الانهيار تحقيقاتٌ برلمانيّة ومصادرةٌ لثروات بعض المديرين، وتولّى روبرت والبول ترتيب تسويةٍ هدّأت الأزمة. وبقي قانون الفقاعة قائمًا أكثر من قرن، فقيّد تأسيس الشركات المساهمة في بريطانيا طويلًا. وهنا يرى الكتاب أوّل صورةٍ واضحة لنمطٍ يتكرّر: هوسٌ ثمّ انهيار ثمّ تشريعٌ متشدّد قد يتجاوز الحاجة. ويضع دليل تاريخٌ موجز للنشوة الماليّة هذه الحلقة في سياقٍ مقارن مع غيرها.
طوينا في هذا الفصل صفحة القرن الثامن عشر. في الفصل التالي نصل إلى القرن التاسع عشر، حيث موّلت المضاربة ثورةً تقنيّة حقيقيّة هي السكك الحديديّة، وبدّدت في الوقت نفسه ثرواتٍ كبيرة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.