بعد ثمانين عامًا تقريبًا من حمّى التوليب، انتقلت المضاربة إلى مستوًى جديد: لم تعد تدور حول سلعةٍ نادرة، بل حول النظام الماليّ لدولةٍ كبرى. وبطل هذه الحكاية رجلٌ اسكتلنديّ موهوب في الحساب ومولع بالمقامرة، اسمه جون لو، أقنع الوصيّ على عرش فرنسا بأنّه يملك علاجًا لديونها الخانقة.
الفكرة: نقدٌ وفير يحرّك الاقتصاد
خرجت فرنسا من حروب الملك لويس الرابع عشر مثقلةً بالديون، وكان النقد المعدنيّ شحيحًا والتجارة راكدة. فاقترح لو أن يُنشأ مصرفٌ يصدر أوراقًا نقديّة مقبولةً في دفع الضرائب، لتزداد كمّيّة المال المتداول وتنشط التجارة. وكانت الفكرة في ذاتها متقدّمةً على زمنها، وقد نجح المصرف في بداياته فعلًا. لكنّ لو لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل ربط المصرف بشركةٍ تجاريّة احتكرت التجارة مع مستعمرة لويزيانا في حوض المسيسيبي، ثمّ توسّعت لتشمل امتيازاتٍ أخرى.
الحلقة التي تغذّي نفسها
عرضت الشركة على حاملي سندات الدين الحكوميّ أن يستبدلوا بها أسهمًا فيها، وطرحت دفعاتٍ متتالية من الأسهم بأسعارٍ متصاعدة، بينما كان المصرف يصدر مزيدًا من الأوراق النقديّة التي يستخدمها الناس لشراء تلك الأسهم. هنا يكمن جوهر ما يسمّيه الكتاب دور الائتمان السهلتوافر الاقتراض أو النقد الجديد بشروطٍ ميسّرة وكلفةٍ منخفضة، بحيث يستطيع المشترون دفع أسعارٍ أعلى ممّا تسمح به مدّخراتهم وحدها. في الفقاعة: المال الجديد يرفع الأسعار، والأسعار المرتفعة تبدو برهانًا على نجاح النظام، فيُصدر مالٌ أكثر. وفي عام 1719 احتشد الناس في شارعٍ ضيّق في باريس يتبادلون الأسهم، وظهرت ثرواتٌ مفاجئة جعلت كلمة «المليونير» تشيع في الأحاديث.
الانقلاب
مع مطلع عام 1720 بدأ بعض كبار المساهمين يحوّلون مكاسبهم الورقيّة إلى ذهبٍ وأصولٍ ملموسة، فاضطرب النظام. وحاول لو أن يحمي الأسعار بقراراتٍ متلاحقة: تثبيت سعر السهم، وتقييد حيازة المعادن، وخفض قيمة الأوراق ثمّ التراجع عن ذلك. لكنّ كلّ قرارٍ كان يضعف الثقة أكثر، لأنّ الربط بين الأسهم والعملة جعل الانهيار يطال الاثنين معًا. وفي نهاية العام غادر لو فرنسا، وخرج الفرنسيّون من التجربة بنفورٍ طويل من المصارف والأوراق النقديّة.
ما الذي يتكرّر؟
يرى الكتاب في هذه الحلقة نموذجًا مبكّرًا لعلاقةٍ ستتكرّر: حين يتدفّق المال الرخيص نحو أصلٍ واحد، فإنّه يستطيع رفع سعره بعيدًا عن قيمته لفترةٍ طويلة، وحين يتوقّف التدفّق يتهاوى البناء كلّه. ويشرح درس الرافعة الماليّة كيف يضخّم الاقتراض المكاسب والخسائر معًا، ويعرض دليل مبادئ للتعامل مع أزمات الديون الكبرى كيف تتكوّن دورات الدَّين وتنفجر في العصر الحديث.
رأينا في هذا الفصل كيف يصنع الائتمان فقاعةً على مستوى دولة. في الفصل التالي نعبر بحر المانش إلى لندن في العام نفسه، حيث كانت فقاعةٌ موازية تتشكّل حول شركة بحر الجنوب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.