بعد فقاعة بحر الجنوب ظلّت بريطانيا حذرةً من الشركات المساهمة زمنًا طويلًا، لكنّ القرن التاسع عشر جاء بموجاتٍ جديدة. فقد شهدت عشرينيّات ذلك القرن حماسةً للقروض والمناجم في دول أمريكا اللاتينيّة المستقلّة حديثًا، اختلط فيها الجادّ بالوهميّ إلى حدّ أنّ مغامرًا روّج لقروض بلدٍ لا وجود له أصلًا. غير أنّ الحلقة الأبرز في هذا القرن كانت هوس السكك الحديديّة في أربعينيّاته.
تقنيةٌ حقيقيّة وحماسةٌ مفرطة
كانت السكك الحديديّة ثورةً فعليّة: اختصرت المسافات، وخفّضت كلفة النقل، وغيّرت خريطة الصناعة والتجارة. ونجحت الخطوط الأولى نجاحًا لافتًا، فبدت الحماسة لها منطقيّة. لكنّ ما بدأ استثمارًا في تقنيةٍ واعدة تحوّل في منتصف الأربعينيّات إلى اندفاعٍ جماعيّ، فقُدّمت إلى البرلمان مئات المشاريع لخطوطٍ جديدة، كثيرٌ منها يتنافس على المسارات نفسها، وبعضها لا يملك أيّ دراسةٍ جادّة. وهنا يطرح الكتاب أحد أهمّ دروسه: أنّ الخلط بين أهمّيّة التقنية وربحيّة الاستثمار فيهاالاعتقاد بأنّ صحّة فكرةٍ اقتصاديّة أو تقنيّة كافيةٌ لضمان ربح من يستثمر فيها، مع إغفال السعر المدفوع وعدد المنافسين الذين سيتقاسمون العوائد. خطأٌ يتكرّر مع كلّ ابتكارٍ كبير.
ملك السكك الحديديّة
برزت في هذه الحقبة شخصيّة جورج هدسون، تاجر الأقمشة الذي صار يُلقّب بملك السكك الحديديّة، وجمع بين إدارة شركاتٍ كبرى ومقعدٍ في البرلمان. وكان يحظى بإعجاب المساهمين ما دامت الأسهم ترتفع والتوزيعات سخيّة. ثمّ تبيّن لاحقًا أنّ بعض تلك التوزيعات كان يُدفع من رأس المال لا من الأرباح، وأنّ الحسابات لم تكن شفّافة. ويلاحظ الكتاب أنّ الهوس يرفع إلى الواجهة شخصيّاتٍ كاريزميّة يصعب مساءلتها وقت الصعود، ولا تنكشف ممارساتها إلّا حين يهبط المدّ.
الالتزامات المؤجّلة
كان كثيرٌ من الأسهم يُطرح «مدفوعًا جزئيًّا»، أي يدفع المكتتب جزءًا صغيرًا من الثمن ويلتزم بدفع الباقي حين تطلبه الشركة لتمويل البناء. فبدا الدخول رخيصًا، لكنّ المطالبات تتابعت مع تقدّم الأعمال وارتفاع أسعار الفائدة في أواخر الأربعينيّات، فاضطرّ المساهمون إلى بيع ما يملكون لتلبيتها، وانهارت الأسعار. وهذا شكلٌ مبكّر من الرافعة الماليّة تشبه آثاره ما يسبّبه نداء الهامش في الأسواق الحديثة.
الإرث المزدوج
خسر كثيرٌ من المستثمرين، لكنّ بريطانيا خرجت من الهوس بشبكة سككٍ حديديّة واسعة خدمتها عقودًا طويلة. ولذلك يرى الكتاب أنّ بعض الفقاعات تترك وراءها بنيةً نافعة للمجتمع حتّى وهي تدمّر ثروات مموّليها. وهذه فكرةٌ تفيد قارئ اليوم كلّما ظهرت تقنيةٌ كبرى جديدة: يمكن أن تكون الفكرة صحيحةً تمامًا وأن يكون السعر المدفوع فيها خاطئًا تمامًا. ويعرض درس دورة السوق مراحل الحماسة والتصحيح التي تمرّ بها الأسواق.
رأينا في هذا الفصل الوجه المنتج للمضاربة ووجهها المكلف معًا. في الفصل التالي نعبر الأطلسيّ إلى الولايات المتّحدة في عشرينيّات القرن العشرين، حيث تلاقى الشراء بالدَّين مع حماسة «العصر الجديد». وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.