إذا ذُكرت الفقاعات الماليّة، حضر التوليب الهولنديّ قبل غيره. ويعود الكتاب إلى تلك الحلقة لا ليكرّر حكاياتها المشهورة، بل ليسأل: ما الظروف التي جعلت مجتمعًا تجاريًّا ناجحًا ومتحفّظًا في عمومه ينجرف وراء أبصال الزهور؟ والجواب يكشف عناصر سنراها تتكرّر في كلّ فصلٍ لاحق.
جمهوريّةٌ تاجرة في عصرها الذهبيّ
كانت هولندا في النصف الأوّل من القرن السابع عشر من أغنى بقاع أوروبا، تقودها طبقةٌ تجاريّة نشيطة، وفيها شركةٌ تُتداول أسهمها، وسوقٌ منظّمة للأوراق في أمستردام، ومصارف حديثة نسبيًّا. وفي هذا المناخ من الثراء الجديد والثقة بالنفس، صار التوليب القادم من الشرق علامةً على الذوق والمكانة، وكانت بعض أصنافه المخطّطة النادرة تُطلب بشغفٍ يفوق أيّ منفعةٍ عمليّة لها.
التداول على ما لم يُزهر بعد
الأبصال تبقى في التربة معظم العام، ولذلك نشأ تداولٌ على وعودٍ بالتسليم بعد الإزهار، أي ما يشبه في جوهره العقود الآجلة بصيغةٍ بدائيّة غير منظّمة. وفي ذروة الحمّى، شتاء منتصف الثلاثينيّات من ذلك القرن، انتقلت الصفقات إلى غرف الحانات، حيث كان الحرفيّون وصغار التجّار يبيعون ويشترون عقودًا على أبصالٍ لم يروها، بمبالغ لا يملكونها، على أمل أن يبيعوها لغيرهم بسعرٍ أعلى قبل موعد التسليم. وهنا يظهر عنصرٌ أساسيّ يلحّ عليه الكتاب: أنّ الابتكار الماليّأدواتٌ أو طرائق جديدة في التمويل والتداول تجعل المشاركة في سوقٍ ما أسهل أو أرخص أو ممكنةً بمالٍ أقلّ، وقد تخدم الاقتصاد لكنّها تستطيع أيضًا أن تضخّم موجات المضاربة. يفتح الباب لمن لم يكن ليدخل لولاه.
الانهيار وما بعده
في مطلع عام 1637 توقّف المشترون فجأةً عن الحضور إلى المزادات، فانهارت الأسعار خلال أيّامٍ قليلة، ووجد كثيرون أنفسهم مرتبطين بعقودٍ بأسعارٍ لم يعد أحدٌ مستعدًّا لدفعها. وتدخّلت السلطات المحلّيّة لتسوية النزاعات بطرائق خفّفت من آثار الكارثة. ويشير الكتاب إلى أنّ مؤرّخين لاحقين راجعوا الروايات الشائعة ورأوا فيها مبالغاتٍ في حجم الخسائر واتّساع المشاركة، وهو تحفّظٌ نافع: فالدرس لا يكمن في الأرقام المثيرة، بل في الآليّة نفسها.
لماذا بقي التوليب رمزًا؟
تجمع هذه الحلقة عناصر سيعود إليها الكتاب مرارًا: ثراءٌ ناشئ يبحث عن منفذ، وسلعةٌ نادرة يصعب تقدير قيمتها، وأداةٌ تسهّل التداول دون مالٍ حاضر، وجمهورٌ يتّسع من المحترفين إلى العامّة، وسعرٌ يصبح هو نفسه الحجّة الوحيدة. ويعرض درس الخوف من تفويت الفرصة كيف يدفع ارتفاع السعر أمام أعيننا إلى قراراتٍ لا نتّخذها في الظروف الهادئة.
رأينا في هذا الفصل كيف تتلاقى الندرة والثراء والأداة الجديدة. في الفصل التالي ننتقل إلى باريس، حيث جرّب مغامرٌ اسكتلنديّ أن يعيد بناء النظام الماليّ لدولةٍ كاملة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.