يفترض كثيرون أنّ بناء المحفظة عملٌ يُنجز مرّةً واحدة ثمّ يُنسى. لكنّ بيرنستين يبيّن أنّ المحفظة كائنٌ يتحرّك، وأنّ التوزيع الذي اخترته بعنايةٍ اليوم سيتغيّر وحده غدًا إن لم تتدخّل. وهذا التدخّل الهادئ هو موضوع هذا الفصل.
كيف تنحرف المحفظة؟
خذ مثالًا توضيحيًّا: محفظةٌ بُنيت على أن تكون نصفها أسهمًا ونصفها سندات. إذا ارتفعت الأسهم أربعين في المئة خلال سنتين وبقيت السندات على حالها تقريبًا، فإنّ الأسهم ستصبح نحو ستّين في المئة من المحفظة دون أن يتّخذ صاحبها أيّ قرار. وهذا ما يسمّى انحراف المحفظةابتعاد حصص المحفظة تدريجيًّا عن التوزيع الذي حدّده المستثمر، بسبب اختلاف أداء مكوّناتها، فيكبر وزن ما ارتفع ويصغر وزن ما تراجع.. وخطورته أنّه يحدث في أوقات الصعود بالذات، فيرفع مخاطرة المحفظة تمامًا حين يشعر صاحبها بأنّ كلّ شيءٍ على ما يرام، ثمّ يأتي الهبوط فيجدها أثقل ممّا خطّط.
ما إعادة التوازن؟
إعادة التوازنإعادة حصص المحفظة إلى التوزيع المستهدف، ببيع جزءٍ من الأصول التي زاد وزنها وشراء ما نقص وزنه، أو بتوجيه المساهمات الجديدة إلى الفئات المتأخّرة. هي إرجاع المحفظة إلى حصصها المقصودة. ففي المثال السابق، تعني تخفيف الأسهم من ستّين في المئة إلى خمسين وتحويل الفرق إلى السندات. ويمكن تحقيق ذلك أيضًا دون بيع، بتوجيه المدّخرات الجديدة إلى الفئة المتأخّرة، وهي طريقةٌ تتكامل مع فكرة الاستثمار الدوريّ التي يشرحها درس متوسّط تكلفة الدولار. والمهمّ أنّها قاعدةٌ لا تتطلّب أيّ توقّعٍ لما سيحدث في السوق.
لماذا هي صعبة؟
على الورق تبدو إعادة التوازن بديهيّة، لكنّها في الواقع تطلب منك أن تبيع ما يمدحه الجميع وتشتري ما يتجنّبه الجميع. فبعد سنواتٍ من صعود الأسهم تكون الأخبار متفائلة والمعارف يتحدّثون عن أرباحهم، وتخفيف الأسهم حينها يبدو تفريطًا. وبعد هبوطٍ حادّ تكون الأخبار قاتمة، وإضافة المال إلى الأسهم حينها تبدو تهوّرًا. ولهذا يصف الكتاب إعادة التوازن بأنّها اختبارٌ للانضباط أكثر منها مسألةٌ حسابيّة.
متى وكيف؟
لا يقدّم الكتاب قاعدةً سحريّة للتوقيت، ويبيّن أنّ الأساليب المعقولة متعدّدة: مراجعةٌ دوريّة على فترةٍ ثابتة، أو تدخّلٌ حين تبتعد حصّةٌ ما عن هدفها بهامشٍ يحدّده المستثمر مسبقًا. والإفراط في التكرار يرفع التكاليف والضرائب، والإهمال الطويل يترك الانحراف يتراكم. والأهمّ من الأسلوب أن يُكتب مسبقًا ويُلتزم به، حتّى لا يتحوّل كلّ قرارٍ إلى معركةٍ مع المشاعر. ومن الإنصاف أن نذكر أنّ إعادة التوازن لا تضمن عائدًا أعلى في كلّ الفترات، فقيمتها الأساسيّة في ضبط المخاطرة لا في تعظيم الربح.
رأينا في هذا الفصل كيف يحافظ المستثمر على توزيعه مع مرور الزمن. في الفصل التالي نتناول عدوًّا صامتًا للمحفظة: التكاليف، وكيف يتراكم أثرها عبر السنين حتّى يلتهم جزءًا كبيرًا من الثروة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.