يتحدّث المستثمرون كثيرًا عن العوائد ونادرًا عن التكاليف، مع أنّ الثانية أقلّ غموضًا بكثير. ويخصّص بيرنستين لهذه المسألة مكانًا بارزًا، لأنّه يرى أنّها من العوامل القليلة التي يعرفها المستثمر مسبقًا ويستطيع التحكّم فيها، بينما تبقى العوائد المستقبليّة في علم الغيب.
أنواع التكاليف
بعض التكاليف ظاهرٌ وبعضها خفيّ. فمنها الرسوم السنويّة التي تقتطعها الصناديق وتُعرف بـنسبة المصروفاتالنسبة السنويّة من قيمة الأصول التي يقتطعها صندوق الاستثمار لتغطية مصاريف إدارته وتشغيله، وتُخصم من العائد تلقائيًّا سواء ربح الصندوق أم خسر.، ومنها عمولات التداول، والفارق بين سعري الشراء والبيع، ورسوم الاستشارة، والضرائب التي يطلقها كثرة البيع والشراء. وكلّ تداولٍ إضافيّ يحمل كلفةً حتّى لو بدت صغيرة. والمستثمر الذي يغيّر محفظته باستمرار يدفع هذه التكاليف مرارًا دون أن يلاحظ.
حساب الأثر عبر العقود
خذ مثالًا توضيحيًّا بأرقامٍ مستديرة: مستثمران يبدأ كلٌّ منهما بعشرة آلاف دولار، ويحقّق استثمارهما العائد الإجماليّ نفسه قبل التكاليف، لنفترض سبعة في المئة سنويًّا. الأوّل يدفع رسومًا سنويّة بنصف نقطةٍ مئويّة، والثاني يدفع نقطتين. بعد ثلاثين سنة يقترب رصيد الأوّل من ستّة وستّين ألفًا، بينما يقف رصيد الثاني عند نحو ثلاثةٍ وأربعين ألفًا تقريبًا. أي أنّ فارقًا يبدو صغيرًا في سنةٍ واحدة التهم أكثر من ثلث الثروة النهائيّة، لأنّ السحب المركّب للتكاليفالفارق المتراكم بين ما كانت ستبلغه الثروة لو بقيت الرسوم مستثمرة وما بلغته فعلًا بعد خصمها كلّ سنة، وهو يكبر مع طول المدّة لأنّ كلّ رسمٍ يضيّع معه عائده المركّب. لا يأخذ الرسم وحده بل يأخذ كلّ ما كان سينمو عنه، وهي آليّة الفائدة المركّبة نفسها لكنّها تعمل ضدّك هذه المرّة.
لماذا لا تعوّض الإدارة النشطة رسومها غالبًا؟
قد يقال إنّ الرسوم المرتفعة ثمنٌ لمهارةٍ تحقّق عائدًا أعلى. لكنّ الكتاب يعرض منطقًا بسيطًا: المستثمرون مجتمعين يملكون السوق كلّه، فعائدهم الإجماليّ قبل التكاليف هو عائد السوق. وبعد خصم التكاليف لا بدّ أن يكون متوسّطهم أقلّ من السوق، وكلّما ارتفعت الكلفة اتّسع الفارق. وهذا المنطق هو جوهر ما دافع عنه جون بوغل، ويعرضه دليل الكتاب الصغير للاستثمار بالحسّ السليم بالتفصيل. وهذا لا ينفي أنّ بعض المديرين يتفوّقون، لكنّه يجعل الرهان على اختيارهم مسبقًا رهانًا صعبًا.
الكلفة جزءٌ من قرار التوزيع
يربط الكتاب بين التكاليف وتوزيع الأصول: فإضافة فئةٍ جديدة إلى المحفظة لا تستحقّ العناء إن كانت الأداة المتاحة لها مرتفعة الكلفة إلى حدّ أن تلتهم فائدة التنويع. ولذلك يستحقّ كلّ مستثمرٍ أن يعرف بدقّة ما يدفعه سنويًّا على كلّ جزءٍ من محفظته، وأن يسأل عن كلّ رسمٍ ما الذي يحصل عليه في مقابله. ولا يتضمّن هذا الدليل ترشيح أيّ مزوّدٍ أو أداةٍ بعينها.
عرفنا في هذا الفصل كيف تتسرّب الثروة بهدوء عبر التكاليف. في الفصل التالي نتناول تسرّبًا أخطر: الأخطاء السلوكيّة التي تدفع المستثمر إلى ملاحقة الأداء أو التخلّي عن خطّته بعد الخسائر. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في توزيع الأصول وإدارة المخاطر لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.