نصل الآن إلى الفكرة التي اشتهر بها الكتاب وارتبط بها اسم صاحبه. فبعد أن رأينا أنّ الأسعار ليست مرآةً صافية للواقع، وأنّ تصوّرات المشاركين ناقصةٌ ومنحازة دائمًا، يجمع سوروس الخيطين في مفهومٍ واحد يحاول به تفسير لماذا تبتعد الأسواق أحيانًا عن أيّ توازن، ولماذا يستمرّ هذا الابتعاد أطول ممّا يتوقّعه المنطق التقليديّ.
وظيفتان في اتّجاهين
يصف الكتاب علاقة الإنسان بالواقع بوظيفتين. الأولى وظيفة الفهم: نحاول أن نعرف العالم كما هو، فتتأثّر تصوّراتنا بالواقع. والثانية وظيفة المشاركة: نتصرّف بناءً على ما فهمناه، فيتأثّر الواقع بتصرّفاتنا. في معظم شؤون الطبيعة تعمل الوظيفة الأولى وحدها تقريبًا. أمّا في الأسواق فتعملان معًا وفي الوقت نفسه، فينشأ ما يسمّيه الكتاب الانعكاسيّةعلاقةٌ ذات اتّجاهين بين تصوّرات المشاركين في السوق والواقع الاقتصاديّ: التصوّرات تؤثّر في الأسعار والقرارات فتغيّر الأساسيّات، والأساسيّات المتغيّرة تعود فتؤثّر في التصوّرات، فلا يستقرّ أيٌّ منهما مستقلًّا عن الآخر.: تفاعلٌ دائريّ لا يمكن فيه فصل السبب عن النتيجة بوضوح.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
تخيّل شركةً ناشئة يتداول سهمها عند عشرين. يتشكّل تصوّرٌ عامّ بأنّها ستنمو بسرعة، فيرتفع السهم إلى أربعين. بهذا السعر المرتفع تستطيع الشركة أن تبيع عددًا قليلًا من الأسهم الجديدة فتجمع مالًا كثيرًا تنفقه على التوسّع، وأن تجذب مهندسين وشركاء يرون فيها قصّة نجاح، فتنمو مبيعاتها وأرباحها فعلًا. يرى المستثمرون نموّ الأرباح فيقولون: كنّا على حقّ، فيرتفع السهم إلى ستّين. هنا لم يكن التصوّر مجرّد قراءةٍ للواقع، بل كان أحد صانعيه. ولو انقلب التصوّر لسببٍ ما لعملت الحلقة نفسها في الاتّجاه المعاكس: سهمٌ يهبط، فيصعب التمويل، فيتباطأ النموّ، فيتأكّد التشاؤم.
حلقةٌ تعزّز وحلقةٌ تصحّح
ليست كلّ حلقة تغذيةٍ راجعةآليّةٌ تعود فيها نتيجة حركةٍ ما فتؤثّر في الحركة نفسها؛ فإن دفعتها إلى مزيدٍ في الاتّجاه ذاته كانت معزِّزة، وإن دفعتها إلى الارتداد نحو نقطة اتّزان كانت مصحِّحة. من النوع نفسه. فالحلقة المصحِّحة تعيد السعر نحو التوازن: كلّما ارتفع السعر كثيرًا قلّ المشترون وزاد البائعون فعاد إلى الاعتدال، وهذه هي الصورة التي تفترضها النماذج التوازنيّة. أمّا الحلقة المعزِّزة فتدفع الحركة إلى مزيدٍ من الحركة في الاتّجاه نفسه. والكتاب لا يقول إنّ الأسواق معزِّزة دائمًا، بل إنّ النوعين موجودان، وإنّ اللحظات الحاسمة هي تلك التي تنتقل فيها السوق من نوعٍ إلى آخر. وهذا يقترب ممّا يناقشه درس الارتداد إلى المتوسّط مقابل الزخم في أكاديميّة أُسس، حيث يتنافس منطق العودة ومنطق الاستمرار.
ليست قانونًا ميكانيكيًّا
من المهمّ ألّا نفهم الانعكاسيّة معادلةً تُطبَّق فتُخرج أرقامًا. فالكتاب نفسه يعترف بأنّها إطارٌ لفهم ما يجري لا أداةٌ للتنبّؤ الدقيق. ففي كلّ لحظة يصعب أن تعرف أيّ الحلقتين هي الغالبة، ومتى ستنقلب الحلقة المعزِّزة، وكم ستبتعد الأسعار قبل ذلك. والانعكاسيّة لا تعمل بالقدر نفسه في كلّ الأسواق؛ فهي أوضح حيث تملك الأسعار قدرةً مباشرة على تغيير الأساسيّات، كما في التمويل والائتمان والعملات، وهي موضوعات الفصول القادمة. ومن أراد أن يرى كيف تتغذّى الحشود على صعودها فسيجد صدىً لذلك في دليلنا لكتاب الأوهام الشعبيّة الاستثنائيّة وجنون الحشود.
عرفنا آليّة الانعكاسيّة في صورتها العامّة. في الفصل التالي نتتبّعها حين تأخذ شكلها الأكثر درامية: تسلسل الصعود والانهيار، وكيف يمرّ بمراحل متمايزة من البداية حتّى الانقلاب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق والمنهج لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.