إذا كان الفصل الأوّل قد شكّك في أنّ الأسعار تعكس الواقع بأمانة، فهذا الفصل يشرح السبب العميق لذلك. الفكرة بسيطة في صياغتها وثقيلة في نتائجها: كلّ من يتّخذ قرارًا في السوق يفعل ذلك بفهمٍ ناقص ومنحاز، ولا سبيل إلى فهمٍ كامل. وهذا ليس اتّهامًا للمستثمرين بالغباء أو الكسل، بل وصفٌ لوضعٍ يشترك فيه الجميع، من المبتدئ إلى أكبر مدير صندوق.
المعرفة الناقصة ليست حادثًا بل قاعدة
يضع الكتاب في قلب منهجه مبدأ قابليّة الخطأالاعتراف بأنّ تصوّرات الإنسان عن العالم، وعن السوق خصوصًا، ناقصةٌ ومشوّهة دائمًا بدرجةٍ ما، لأنّه جزءٌ من الواقع الذي يحاول فهمه ولا يملك موقعًا محايدًا خارجه.: أنّ فهمنا للواقع لا يطابقه تمامًا أبدًا. ويستمدّ هذا المبدأ من فلسفة العلم التي ترى أنّ النظريّات لا تُثبَت نهائيًّا بل تبقى قابلةً للنقض. لكنّه يذهب أبعد في حالة الأسواق: فالعالِم الطبيعيّ يدرس ظاهرةً لا تتأثّر بنظريّته، أمّا المستثمر فيدرس مستقبلًا سيتشكّل جزئيًّا بقراراته وقرارات غيره. أيّ أنّه يحاول أن يتوقّع نتيجة لعبةٍ هو أحد لاعبيها.
مثالٌ توضيحيّ: الجميع يقرأ الخبر نفسه
تخيّل أنّ تقريرًا اقتصاديًّا أظهر تباطؤًا في النموّ. مستثمرٌ يراه سببًا للبيع لأنّ الأرباح ستتراجع، وآخر يراه سببًا للشراء لأنّ البنك المركزيّ قد يخفض الفائدة، وثالثٌ ينتظر ليرى ما سيفعله الآخرون. ما سيحدث للسعر لا يحدّده الخبر وحده، بل يحدّده توزيع هذه التفسيرات وقوّة كلٍّ منها. ولو ظنّ معظمهم أنّ الآخرين سيبيعون، فقد يبيعون جميعًا قبل أن يتّضح أثر التباطؤ الحقيقيّ. فالواقع الذي سيُكتشف لاحقًا ليس منفصلًا عن هذه التفسيرات، بل يتشكّل جزئيًّا بها.
التحيّز السائد
حين تتقارب تصوّرات كثيرٍ من المشاركين في اتّجاهٍ واحد، ينشأ ما يمكن تسميته التحيّز السائدميلٌ جماعيّ في تصوّرات المشاركين في السوق يدفع الأسعار في اتّجاهٍ معيّن، وقد يستند إلى عنصرٍ حقيقيّ لكنّه يبالغ فيه أو يتجاهل ما يناقضه، ويمكن أن يستمرّ طويلًا قبل أن يُصحَّح.. وهو ليس بالضرورة خطأً محضًا؛ كثيرًا ما يبدأ من ملاحظةٍ صحيحة، كأنّ قطاعًا ما ينمو فعلًا، ثمّ يضخّمها حتّى تتجاوز ما يبرّره الواقع. والكتاب يرى أنّ مهمّة من يدرس السوق ليست أن يجد «السعر الصحيح» الذي لا يملكه أحد، بل أن يفهم طبيعة التحيّز السائد: على ماذا يستند، وإلى أيّ حدٍّ يبالغ، وما الذي قد يكشف هشاشته. وهذا يتقاطع مع ما يشرحه دليلنا لكتاب التفكير السريع والبطيء عن الانحيازات المعرفيّة التي تشوّه أحكامنا دون أن نشعر.
ماذا نفعل بهذا الاعتراف؟
قد يبدو مبدأ قابليّة الخطأ محبطًا: إن كنّا مخطئين دائمًا فما فائدة التفكير؟ لكنّ الكتاب يقلب المعنى. فمن يعترف مسبقًا بأنّ فهمه ناقص يصير أكثر استعدادًا لمراجعة رأيه، وأقلّ تعلّقًا بمواقفه، وأحرص على ألّا يراهن بكلّ ما يملك على تصوّرٍ واحد. أمّا من يظنّ أنّه يرى الحقيقة كاملة فهو أكثر عرضةً لأن يتمسّك بخطئه حتّى النهاية. وهنا يصير التواضع المعرفيّ مهارةً عمليّة لا فضيلةً أخلاقيّة فقط، وهي فكرةٌ يبنيها درس علم نفس التداول في أكاديميّة أُسس من زاوية السلوك والانضباط.
عرفنا أنّ تصوّراتنا ناقصةٌ دائمًا. في الفصل التالي نصل إلى الفكرة المركزيّة في الكتاب: ماذا يحدث حين لا تكتفي هذه التصوّرات الناقصة بعكس الواقع، بل تعود فتغيّره، فيعود الواقع المتغيّر فيغيّرها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق والمنهج لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.