من أهمّ ما يلحّ عليه الكتاب أنّ الرقم الذي نراه ليس بالضرورة الرقم الذي يهمّنا. قد يتضاعف مبلغٌ على الورق، لكنّه لا يشتري بعد عشرين عامًا أكثر ممّا كان يشتريه في البداية. ولهذا يعيد سيغل قراءة التاريخ الماليّ كلّه من زاويةٍ واحدة: ماذا بقي فعلًا من القوّة الشرائيّة بعد أن يأخذ ارتفاع الأسعار نصيبه؟
الرقم على الورق
العائد الاسميّنسبة الزيادة في قيمة الاستثمار كما تظهر بالعملة، دون أيّ تعديلٍ لأثر ارتفاع الأسعار، وهو الرقم الذي يظهر عادةً في كشوف الحسابات والإعلانات. هو ما يخبرك به كشف الحساب: كان المبلغ ألفًا فصار ألفًا ومئة، إذن ربحت عشرة في المئة. لكنّ هذا الرقم يغفل سؤالًا أساسيًّا: هل ما زالت الألف ومئة تشتري ما كانت تشتريه الألف؟ إن ارتفعت الأسعار في الفترة نفسها بعشرة في المئة، فأنت لم تتقدّم خطوةً واحدة، بل بقيت في مكانك.
ما يبقى فعلًا
أمّا العائد الحقيقيّالعائد بعد خصم أثر التضخّم، أي مقدار التحسّن الفعليّ في القوّة الشرائيّة للمال، ويُحسب تقريبيًّا بطرح معدّل التضخّم من العائد الاسميّ. فهو المقياس الذي يعتمده الكتاب للمقارنة. وحسابه التقريبيّ بسيط: العائد الاسميّ ناقص معدّل التضخّم. مثالٌ توضيحيّ: وديعةٌ تدفع ثلاثة في المئة في زمنٍ يبلغ فيه التضخّم أربعة في المئة تعطي عائدًا حقيقيًّا سالبًا، أي أنّ صاحبها يخسر من قوّته الشرائيّة وهو يظنّ أنّه يربح. وهذه الفكرة يشرحها بالتفصيل درس التضخّم والقوّة الشرائيّة في أكاديميّة أُسس.
كيف يتغيّر الترتيب
حين ننتقل من المقارنة الاسميّة إلى الحقيقيّة، يتغيّر ترتيب الأصول أحيانًا تغيّرًا لافتًا. فالأصول ذات الدخل الثابت تبدو مستقرّة اسميًّا، لكنّها قد تخسر كثيرًا في الحقيقة إن ارتفعت الأسعار أسرع من فائدتها. أمّا ملكيّة الشركات فلها، من حيث المبدأ، قدرةٌ جزئيّة على مواكبة التضخّم، لأنّ الشركات تبيع منتجاتٍ ترتفع أسعارها هي الأخرى. ونقول «من حيث المبدأ» و«جزئيّة» عمدًا، لأنّ هذه العلاقة ليست ثابتة في كلّ فترة، وقد تتأخّر الأسهم كثيرًا عن التضخّم في سنواتٍ بعينها.
المقياس الذي يُنصف الزمن
مشكلةٌ أخرى تظهر حين نرسم نموّ المال عبر عقودٍ طويلة: على الرسم العاديّ تبدو السنوات الأولى خطًّا مسطّحًا والسنوات الأخيرة صعودًا جنونيًّا، لمجرّد أنّ المبلغ صار أكبر. ولهذا تُعرض مثل هذه المقارنات عادةً على مقياسٍ لوغاريتميّ يعطي النسبة المئويّة الواحدة المسافة نفسها أينما وقعت، وهو ما يشرحه درس المقياس اللوغاريتميّ والخطّيّ. فمن دون هذا التصحيح البصريّ قد نظنّ أنّ الماضي كان هادئًا والحاضر وحده مضطرب.
تعلّمنا في هذا الفصل أن نقارن بالعائد الحقيقيّ لا بالاسميّ. في الفصل التالي نواجه السؤال الذي يقلق كلّ مستثمر: إذا كانت الأسهم بهذا التقلّب، فهل هي «خطرة» أم «آمنة»؟ والجواب، كما سنرى، يعتمد كثيرًا على المدّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الاستثمار طويل الأجل لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.