لنفترض أنّك سُئلت فجأة: هل سوق الأسهم اليوم غالية أم رخيصة؟ قلّةٌ فقط تستطيع الإجابة بحسابٍ منهجيّ للأرباح والتدفّقات والمخاطر. أمّا أكثر الناس فيلجؤون، دون أن يشعروا، إلى نقاطٍ مرجعيّة قريبة في أذهانهم. ويرى الكتاب أنّ هذه النقاط المرجعيّة، التي نسمّيها هنا المراسي النفسيّة، تفسّر جانبًا مهمًّا من سلوك الأسواق: لماذا تبقى الأسعار مستقرّةً نسبيًّا في معظم الأيّام رغم غياب «سعرٍ صحيح» معروف، ولماذا تنحرف أحيانًا انحرافًا طويلًا.
الارتساء على الأرقام
أوّل أنواع المراسي رقميّ. فقد بيّنت أبحاث علم النفس أنّ الناس حين يقدّرون كمّيّةً غامضة يتأثّرون بأيّ رقمٍ يُعرض عليهم قبل التقدير، حتّى لو كان عشوائيًّا، وتُعرف هذه الظاهرة باسم الارتساءانحيازٌ معرفيّ ينطلق فيه المرء من رقمٍ أو معلومةٍ أولى متاحة ثمّ يعدّل عنها تعديلًا غير كافٍ، فيبقى تقديره النهائيّ قريبًا من نقطة الانطلاق حتّى لو كانت بعيدةً عن الحقيقة.. وفي الأسواق تكون المراسي المتاحة كثيرة: سعر الأمس، وأعلى سعرٍ في العام، والأرقام المستديرة في المؤشّرات، وأسعار الأسهم المشابهة. ومثالٌ توضيحيّ من عندنا: مستثمرٌ يرى أنّ سهمًا انخفض من مستوى مرتفع إلى نصفه، فيعدّه «رخيصًا»، مع أنّ المستوى المرتفع نفسه ربّما لم يكن مبرّرًا أصلًا. ويعرض دليل التفكير السريع والبطيء الجذور التجريبيّة لهذا الانحياز.
الارتساء على القصص
النوع الثاني من المراسي ليس رقمًا بل قصّة. فالناس يبرّرون قراراتهم بحكاياتٍ تبدو لهم مقنعة: هذه الشركة تقود المستقبل، وهذا القطاع لا يمكن أن يخسر، وهذا البلد يمرّ بنهضة. وحين تستقرّ القصّة في الذهن تصبح عدسةً تُفسَّر بها كلّ معلومةٍ جديدة، فيُستقبل الخبر الإيجابيّ تأكيدًا ويُستقبل الخبر السلبيّ استثناءً عابرًا. وهنا يلتقي الارتساء بما يُعرف بانحياز التأكيد، أي الميل إلى البحث عمّا يدعم ما نؤمن به أصلًا. ويناقش مقال الانحيازات المعرفيّة في التداول هذا التداخل بين الانحيازات.
الثقة المفرطة والتفكير السحريّ
يضيف الكتاب إلى المراسي عاملين نفسيّين يعزّزانها. الأوّل الثقة المفرطةميلٌ إلى المبالغة في تقدير دقّة معرفتنا وقدرتنا على التنبّؤ والتحكّم في النتائج، فيقلّ حذرنا ونتحمّل مخاطر أكبر ممّا ندرك.، إذ يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأنّهم أذكى من المتوسّط وأنّهم سيعرفون متى يخرجون قبل غيرهم. والثاني ما يمكن تسميته بالتفكير السحريّ، أي الإحساس بأنّ حظًّا جيّدًا متكرّرًا علامةٌ على مهارةٍ أو على أنّ الأمور ستستمرّ على حالها. ويضاف إليهما ميلٌ إلى الاطمئنان حين يتصرّف الجميع بالطريقة نفسها، فيبدو الإجماع دليلًا على الصواب. ويقدّم دليل الاستثمار السلوكيّ أدواتٍ عمليّة لمواجهة هذه الميول.
لماذا تهمّ المراسي في الطفرات؟
تفسّر المراسي لماذا لا تقفز الأسعار عشوائيًّا كلّ يوم، فهي تشدّ التقديرات نحو المستويات المألوفة. لكنّها تفسّر أيضًا لماذا قد تبقى الأسعار بعيدةً عن القيمة طويلًا: فإذا ارتفعت السوق تدريجيًّا سنواتٍ عدّة، صار كلّ مستوى جديد مرساةً للمستوى الذي يليه، وصارت الأسعار المرتفعة «طبيعيّة» في الأذهان. وحين تنكسر المرساة بحدثٍ مفاجئ، قد يبحث الناس عن مرساةٍ جديدة بعيدة، فتكون الحركة حادّة.
رأينا المراسي داخل العقل الفرديّ. في الفصل التالي نوسّع الدائرة لنرى كيف يتأثّر الأفراد بعضهم ببعض: السلوك القطيعيّ وانتقال الأفكار بين الناس. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الفقاعات وسلوك الأسواق لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.