بعد نحو قرنٍ من هوس التوليب، عاش الإنجليز فصلًا مماثلًا لكنّ بطله هذه المرّة لم يكن زهرة بل سهمًا. كانت شركة بحر الجنوب قد تأسّست بوعد احتكار التجارة مع مستعمرات إسبانيا في أمريكا الجنوبيّة، وهو وعدٌ بدا في الأذهان بابًا إلى ثرواتٍ لا تنضب. ومن هذا الوعد البرّاق، لا من ربحٍ محقّق، انطلقت واحدةٌ من أشهر فقاعات التاريخ سنة 1720.
وعدٌ يبيع نفسه
لم تكن أرباح الشركة الفعليّة تبرّر شيئًا يُذكر من سعر سهمها. لكنّ الحكاية كانت أهمّ من الأرقام: تجارةٌ بعيدة، وذهبٌ وفضّة، ومستقبلٌ مذهّب. وكلّما صعد السهم صدّق الناس القصّة أكثر، وكلّما صدّقوها اشتروا فرفعوه أكثر. هكذا صار الصعود دليلًا على صحّة الوعد، وتشكّلت حلقة التغذية الراجعةدائرةٌ يغذّي فيها ارتفاع السعر مزيدًا من الشراء، ويغذّي الشراء مزيدًا من الارتفاع، فيصبح صعود الأصل نفسه هو الدليل المزعوم على صوابه، وهي سمةٌ جوهريّة في كلّ فقاعة. التي تميّز كلّ فقاعة: الارتفاع يبرّر الشراء، والشراء يبرّر الارتفاع، إلى ما لا نهاية في الظاهر.
الحمّى تُعمي التمحيص
الأعجب أنّ الهوس لم يبقَ حبيس سهمٍ واحد. فمع صعود بحر الجنوب انبثقت عشرات الشركات الجديدة تعد المكتتبين بأرباحٍ خياليّة في مشاريع غامضة. يروي ماكاي أنّ بعضها لم يكن له نشاطٌ معلوم أصلًا، بل طُرح اكتتابٌطرح أسهم شركةٍ للجمهور للاشتراك في ملكيّتها مقابل المال؛ في أوقات الهوس يتهافت الناس على الاكتتاب في مشاريع غامضة بلا تمحيصٍ خشية فوات الربح. في مشروعٍ «لغرضٍ عظيم سيُعلَن عنه لاحقًا»، فتهافت الناس على شرائه ثمّ اختفى صاحبه بالأموال. هذا المشهد يكشف كيف تعطّل الحمّى العقل النقديّ: لم يعد أحدٌ يسأل عن جدوى المشروع، بل عن سرعة الدخول قبل أن يفوت القطار.
حين يصير الجميع طرفًا
اتّسعت دائرة المشاركين حتّى شملت النبلاء ورجال الدين والسيّدات والخدم. صار الحديث في المقاهي والصالونات كلّه عن الأسهم، وصار من يقف خارج اللعبة يُنظر إليه كأحمق يفوّت الفرصة الذهبيّة. هذا الاتّساع نفسه كان علامة خطر: فحين يصير الجميع مشترين، لا يبقى من يُنتظر أن يشتري لاحقًا بسعرٍ أعلى، وهنا يقترب البنيان من السقوط دون أن يدري أهله.
السقوط
ثمّ بدأ كبار المطّلعين يبيعون بهدوء، وتسرّبت الشكوك، فانقلب الاتّجاه. انهار السهم بسرعةٍ أفزع البلاد، وتبخّرت ثروات آلاف العائلات، وطالت العدوى الاقتصاد كلّه لأنّ كثيرين اقترضوا ليشتروا. الدرس الذي يخرج به القارئ أنّ القصّة الجميلة ليست قيمة، وأنّ صعود السعر ليس برهانًا على سلامته، وأنّ اتّساع الحماس حتّى يشمل الجميع نذيرٌ لا بشارة. وهذا صميم ما يعلّمه علم النفس التداوليّ: أن نفصل بين حماس الحشد وحقيقة ما نملك.
رأينا في إنجلترا كيف تجرف شركةٌ واحدة أمّةً بوعدٍ برّاق. وفي الوقت نفسه تقريبًا كانت فرنسا تعيش فقاعةً موازية صنعها رجلٌ واحد بنظريّةٍ عن النقود والائتمان. في الفصل التالي نتعرّف على مخطّط المسيسيبي وجون لو. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.