في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا تعيش هوس بحر الجنوب، كانت فرنسا المجاورة تعيش فقاعةً موازية صنعها رجلٌ واحد لامعٌ وجريء اسمه جون لو. لم يكن لو محتالًا عاديًّا، بل مفكّرًا اقتصاديًّا آمن بفكرةٍ سبقت زمنها: أنّ الأمّة تزدهر بزيادة النقود المتداولة. لكنّ تطبيقه لهذه الفكرة تحوّل إلى واحدةٍ من أعنف الفقاعات التي عرفها التاريخ.
فكرةٌ لامعة وخطيرة
أقنع لو الحكومة الفرنسيّة المثقلة بالديون بأن يؤسّس بنكًا يُصدر نقودًا ورقيّةأوراقٌ نقديّة تصدرها جهةٌ ماليّة كوعدٍ بقيمةٍ محدّدة؛ تقوم كلّها على ثقة الناس بإمكان تحويلها إلى معدنٍ أو قيمةٍ حقيقيّة، فإن طُبعت بلا غطاءٍ كافٍ انهارت قيمتها حين يطلبها الجميع.، ثمّ منحه احتكار تجارة إقليم لويزيانا على ضفاف نهر المسيسيبي عبر شركةٍ ضخمة. ربط لو بعد ذلك بين المطبعة والسوق: النقود الورقيّة الجديدة تُستخدم لشراء أسهم الشركة فترتفع، وارتفاع الأسهم يشجّع على طبع مزيدٍ من النقود. هذه الدائرة ضخّمت الائتمانالأموال المُقترَضة أو المُصدَرة التي تُضخّ في السوق فتزيد الطلب على الأصول وترفع أسعارها؛ توسّعه السريع يغذّي الفقاعات، وانكماشه المفاجئ يعجّل بانهيارها. بسرعةٍ هائلة، وأشعلت هوسًا اجتاح باريس كلّها.
حين امتلأت الشوارع بالأثرياء الجدد
صعد سهم شركة المسيسيبي صعودًا خرافيًّا حتّى صار الناس يبيتون في الطرقات المؤدّية إلى مكاتب الاكتتاب. امتلأت باريس بأثرياء بين ليلةٍ وضحاها، وظهرت كلمة «مليونير» في تلك الحقبة لتصف من جمعوا الثروات من الورق. لكنّ هذه الثروات كانت مبنيّةً على وعدٍ بأرض المسيسيبي البعيدة التي لم تكن سوى مستنقعاتٍ لم تُدرّ شيئًا يذكر. القيمة كانت في الورق المتصاعد لا في الأرض الموعودة.
لحظة الحقيقة
النظام كلّه قام على ثقةٍ واحدة: أنّ الورقة تساوي ذهبًا حين يُطلب. وحين بدأ بعض المطّلعين يشكّون فحوّلوا أوراقهم إلى معدنٍ وأخرجوه من البلاد، انكشفت الحقيقة المرّة: الذهب الموجود لا يكفي جزءًا يسيرًا من الورق المطبوع. تسابق الناس على تحويل أوراقهم فتبخّرت الثقة، وانهارت العملة والأسهم معًا في انهيارٍ زلزل الاقتصاد الفرنسيّ لأجيال.
الدرس المزدوج
يحمل مخطّط المسيسيبي درسًا يفوق سابقيه: فإلى جانب هوس الحشد، يكشف كيف يضاعف المال السهل والائتمان المتوسّع حجم الفقاعة وسرعتها معًا. حين يُطبع الوقود بلا حدود يشتعل اللهب أسرع لكنّه يلتهم أكثر عند الانطفاء. وهذا ما يجعل فهم دور المال السهل جزءًا لا يتجزّأ من فهم أيّ هوسٍ، وسنفرد له فصلًا لاحقًا. قبل ذلك، لنستخلص البنية المشتركة التي جمعت هذه الحكايات الثلاث.
بعد أن رأينا ثلاث حكايات كبرى — التوليب وبحر الجنوب والمسيسيبي — يحقّ لنا أن نسأل: أليست لها بنيةٌ واحدة تتكرّر؟ في الفصل التالي نفكّك تشريح الفقاعة ومراحلها من الشرارة إلى الذعر. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.