في هولندا خلال ثلاثينيّات القرن السابع عشر وقعت واحدةٌ من أغرب موجات الهوس في التاريخ، بطلتها زهرةٌ لا تُؤكل ولا تُسكن ولا تُلبَس: زهرة التوليب. كانت البلاد يومها في أوج ازدهارها التجاريّ، وكان التوليب قد وصل حديثًا من الشرق فصار رمزًا للذوق والرفعة. ومن هذا الإعجاب البريء بالجمال وُلد جنونٌ ماليّ ما زال اسمه يُضرب مثلًا لكلّ فقاعةٍ بعده.
من زهرةٍ إلى أصل مضاربة
كانت بعض أصناف التوليب نادرةً حقًّا، تحمل خطوطًا ملوّنةً بديعة، فارتفع سعرها لندرتها. إلى هنا كان الأمر معقولًا. لكنّ الشرارة اشتعلت حين لاحظ الناس أنّ الأسعار لا تكفّ عن الصعود، فبدؤوا يشترون البصلات لا ليزرعوها في حدائقهم بل ليبيعوها لاحقًا بأغلى. عند هذه النقطة انفصل السعر عن المنفعة، وتحوّلت الزهرة إلى أداة مضاربةشراء أصلٍ بقصد بيعه لاحقًا بسعرٍ أعلى للربح من فرق السعر لا من منفعته أو دخله؛ تصير محمومة حين يشتري الجميع اعتمادًا على توقّع الصعود وحده. خالصة. صار الحدّاد والخبّاز والخادم يبيعون ما يملكون ليشتروا بصلاتٍ يأملون أن تضاعف ثرواتهم بين ليلةٍ وضحاها.
ذروة الجنون
بلغ الهوس مبلغًا يرويه ماكاي بذهول: بصلةٌ واحدة من صنفٍ نادر تُقايَض بمنزلٍ كامل، أو بقطيع ماشيةٍ وأطنان قمح. ونشأت أسواقٌ لتداول البصلات قبل أن تخرج من الأرض، يتبادل فيها الناس عقودًا على زهورٍ لم تُزرع بعد. لم يعد أحدٌ يسأل عن قيمة الزهرة الحقيقيّة، لأنّ السؤال الوحيد الذي شغل الجميع كان: بكم سأبيعها غدًا؟ وهذا بالضبط جوهر الفقاعة: أن يصير التوقّع وحده هو القيمة.
الانهيار المفاجئ
ثمّ جاء اليوم الذي ارتاب فيه بائعٌ ولم يجد مشتريًا بالسعر المعتاد. تردّد، فتردّد غيره، وسرت الشائعة أنّ الأسعار بلغت سقفها. في أيّامٍ معدودة تبخّرت الثقة الجماعيّةالقناعة الجماعيّة بأنّ السعر سيبقى صاعدًا وأنّ من نبيعه اليوم سيبيعه غدًا بأغلى؛ هي السند الوحيد لسعر الأصل المضاربيّ، فإذا انهارت انهار السعر معها بلا أساس. كما تبخّر الطلّ، واختفى المشترون دفعةً واحدة. من كان يحمل بصلاتٍ اشتراها بثمن بيته وجد نفسه يحمل زهرةً لا يريدها أحد. الذعر انتشر بالعدوى تمامًا كما انتشر الحماس، وتحوّل الحلم إلى خرابٍ عمّ البلاد.
الدرس الباقي
يعلّمنا هوس التوليب أنّ أخطر ما في الأصل ليس ارتفاع سعره بل انفصال سعره عن أيّ قيمةٍ يمكن الدفاع عنها. حين يصير السبب الوحيد للشراء هو أنّ السعر يرتفع، فقد صار الأصل رهينة ثقةٍ جماعيّة هشّة تنهار عند أوّل شكّ. وهذا يذكّرنا بأهمّيّة الوعي المالي الذي يسأل دائمًا: ما الذي أشتريه فعلًا، وهل له قيمةٌ لو توقّف الجميع عن الحديث عنه؟
رأينا كيف جُنّ بلدٌ صغير حول زهرة. لكنّ الهوس لا يقتصر على السلع، بل يصيب الأسهم والشركات أيضًا حين تُغلَّف بوعودٍ برّاقة. في الفصل التالي ننتقل إلى إنجلترا لنرى فقاعة بحر الجنوب، حيث جرفت شركةٌ واحدة أمّةً بأسرها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.