يفتتح تشارلز ماكاي كتابه بملاحظةٍ صارت من أشهر ما قيل في سلوك الجماعات: أنّ الناس يفكّرون في قطعانٍ، وأنّهم يُصابون بالجنون في قطعانٍ أيضًا، بينما لا يعودون إلى رشدهم إلّا واحدًا واحدًا وببطء. هذه الملاحظة القصيرة تختصر الكتاب كلّه. فالمؤلّف لا يهتمّ بأخطاء الأفراد المعزولة، بل بتلك اللحظات النادرة التي تفقد فيها أمّةٌ بأكملها صوابها في آنٍ واحد، فتطارد وهمًا لو عُرض على أيٍّ من أفرادها في هدوئه لرفضه ضاحكًا.
ما الهوس الماليّ
الهوس الماليّ في تعريف الكتاب حالةٌ جماعيّة تندفع فيها جموعٌ غفيرة نحو أصلٍ واحد أو فكرةٍ واحدة للثراء، حتّى ترتفع الأسعار ارتفاعًا يفقد صلته بأيّ قيمةٍ معقولة. وما يميّزه ليس الطمع وحده — فالطمع قديمٌ قدم الإنسان — بل انتقاله بالعدوى من فردٍ إلى فرد حتّى يصير مسايرة الجنون هي التصرّف «الطبيعيّ» وتصير مقاومته هي الغرابة. هنا تتشكّل الفقاعةحالةٌ يرتفع فيها سعر أصلٍ ارتفاعًا حادًّا يفقد صلته بقيمته الحقيقيّة، مدفوعًا بحماس الشراء الجماعيّ لا بالأساسات، ثمّ ينهار حين يختفي المشترون. حين يشتري الناس لا لأنّهم يقدّرون قيمة الشيء، بل لأنّهم يتوقّعون بيعه لمن هو أكثر حماسًا منهم.
لماذا يجنّ الحشد جماعةً
السرّ الذي يعود إليه ماكاي أنّ العقل الجمعيّسلوك الجماعة حين تتصرّف ككتلةٍ واحدة تخضع لعدوى المشاعر لا لحكم أفرادها المنفصل؛ يفوق مجرّد جمع العقول، فيندفع نحو ما قد يرفضه كلّ فردٍ منه في هدوئه. ليس مجموع عقول أفراده، بل كائنٌ مختلف يخضع لقوانين العدوى لا لقوانين المنطق. حين يرى الإنسان جيرانه وأصدقاءه يثرون بسرعة، يهتزّ ميزانه الداخليّ: لم يعد السؤال «هل هذا الأصل يستحقّ هذا الثمن؟» بل «كيف أتخلّف عن الركب وقد سبقني الجميع؟». وهكذا يتحوّل الطمع إلى خوفٍ من الفوات، ويصير الانضمام إلى القطيع دفاعًا عن الكرامة لا مجرّد سعيٍ إلى الربح.
الإفاقة تأتي فرادى
أعمق ما في ملاحظة ماكاي شطرها الثاني: أنّ العودة إلى الرشد بطيئةٌ فرديّة. فالحشد يندفع معًا في لحظة، لكنّه لا يستيقظ معًا. يبدأ فردٌ هنا بالشكّ، وآخر هناك بالبيع، حتّى تتسرّب الثقة قطرةً قطرة ثمّ تنهار دفعةً واحدة. هذا التفاوت بين سرعة الصعود وبطء الوعي هو ما يجعل من يدخل متأخّرًا أشدّ تضرّرًا، لأنّه اشترى وهم الجميع في ذروته ثمّ وجد نفسه وحيدًا حين بدأت الإفاقة.
درسٌ نفسيٌّ قبل أن يكون ماليًّا
يقدّم ماكاي هذه القصص لا لنسخر من أجدادنا، بل لنرى أنفسنا فيهم. فالأدوات تغيّرت والأسماء تبدّلت، لكنّ المحرّك النفسيّ واحد. لذا فإنّ أوّل حصنٍ ضدّ الهوس ليس معادلةً ماليّة بل وعيٌ بالسلوك الجماعيّ وحدوده، وهو ما يبنيه درس علم النفس التداوليّ حين يعلّمنا أن نراقب انفعالنا قبل أن نراقب السوق. من يفهم كيف يعمل الحشد يملك على الأقلّ فرصة أن يقف خارجه لحظة اللزوم.
عرفنا في هذا الفصل ما الهوس الماليّ ولماذا يجنّ الحشد جماعةً. وأفضل طريقةٍ لفهم هذه الفكرة أن نراها حيّةً في قصّةٍ حقيقيّة. في الفصل التالي ندخل هولندا في القرن السابع عشر حيث جُنّ بلدٌ بأكمله حول زهرةٍ من نبات التوليب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ تثقيفٍ لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار.