إذا كانت الرافعة قد جعلت الصندوق حسّاسًا لأيّ تراجعٍ صغير، فلماذا اطمأنّ القائمون عليه إلى أنّ هذا التراجع لن يحدث؟ الجواب في النماذج التي بنوا عليها حساباتهم. وهذا الفصل يشرح الفكرة التي يعود إليها الكتاب مرارًا: النموذج المبنيّ على الماضي يرى العالم كما كان، لا كما يمكن أن يكون.
كيف تتعلّم النماذج
تأخذ النماذج الماليّة سلسلةً طويلة من الأسعار التاريخيّة، فتقيس التذبذب المعتاد لكلّ أصل، وتقيس كيف تحرّكت الأصول معًا، ثمّ تستنتج حدود الحركة «المعقولة». ومن هذه الحسابات تخرج أرقامٌ مطمئنة من قبيل: «احتمال أن نخسر أكثر من كذا في يومٍ واحد ضئيلٌ جدًّا». والمشكلة ليست في الحساب نفسه، بل في افتراضه الضمنيّ: أنّ المستقبل سيشبه الفترة التي استُخلصت منها البيانات.
ذيولٌ أسمك ممّا نظنّ
تفترض كثيرٌ من النماذج أنّ التحرّكات الكبيرة جدًّا نادرةٌ إلى حدّ الاستحالة العمليّة. لكنّ الأسواق الحقيقيّة تعرف ظاهرة الذيول السميكةوصفٌ لتوزيع العوائد حين تكون التحرّكات المتطرّفة صعودًا أو هبوطًا أكثر تكرارًا بكثير ممّا يتوقّعه التوزيع الطبيعيّ المعتاد في النماذج، فتقع الأحداث «المستبعدة» أكثر ممّا تشير إليه الحسابات.، أي أنّ الأيّام الاستثنائيّة تقع أكثر بكثير ممّا تتوقّعه الحسابات الهادئة. وهذه الفكرة هي محور ما عرضناه في دليل البجعة السوداء: الأحداث النادرة عظيمة الأثر لا تظهر في البيانات حتّى تقع، وحين تقع تغيّر كلّ شيء.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
لنفترض أنّ نموذجًا درس خمس سنواتٍ هادئة ووجد أنّ أسوأ يومٍ فيها لم يتجاوز تراجعًا بنسبة واحدٍ في المئة من قيمة المحفظة. سيستنتج أنّ تراجعًا بنسبة خمسة في المئة في يومٍ واحد حدثٌ لا يكاد يقع. لكنّ السنوات الخمس قد لا تتضمّن أزمةً حقيقيّة واحدة، فإذا جاءت السادسة بأزمةٍ لم تعرفها البيانات، قد يحدث ذلك «المستحيل» في أسبوعٍ واحد عدّة مرّات. ومع رافعةٍ عالية، يكفي يومٌ كهذا لمحو سنواتٍ من الأرباح. فالنموذج لم يكذب، لكنّه أجاب عن سؤالٍ أضيق ممّا ظنّه أصحابه.
الاحتمال ليس كلّ القصّة
كانت المؤسّسات الماليّة في تلك الفترة تعتمد على مقاييس مثل القيمة المعرّضة للخطرمقياسٌ إحصائيّ يقدّر أقصى خسارةٍ متوقّعة لمحفظةٍ خلال فترةٍ محدّدة بمستوى ثقةٍ معيّن في الظروف العاديّة، ويُنتقد لأنّه لا يخبر بما يحدث في الحالات القليلة التي تتجاوز فيها الخسارة هذا الحدّ.، وهي مفيدة لإدارة الأيّام العاديّة، لكنّها صامتةٌ تقريبًا عن الأيّام الاستثنائيّة. والدرس الأعمق أنّ الخطر لا يُقاس باحتمال الخسارة وحده، بل بحجمها وبقدرتنا على النجاة منها. وهو ما يناقشه درس العوائد المعدّلة بالمخاطر: العائد الجميل لا معنى له إن كان ثمنه احتمالًا صغيرًا للخراب الكامل.
رأينا كيف قلّلت النماذج من شأن الأحداث النادرة. في الفصل التالي ننتقل إلى ثغرةٍ أخرى أخطر: افتراض أنّ الصفقات المتنوّعة لن تخسر معًا، وما يحدث للارتباطات حين تشتدّ الأزمات. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في المخاطر والرافعة والسيولة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.