لم يضع الصندوق كلّ رهاناته في سلّةٍ واحدة، أو هكذا بدا الأمر. فقد توزّعت صفقاته على دولٍ وأسواقٍ وأدواتٍ مختلفة، من سندات حكوميّة إلى أسواق ناشئة إلى فروقٍ بين عقودٍ متنوّعة. وكانت النماذج تقول إنّ هذه الصفقات قليلة الترابط، فلا يُحتمل أن تخسر كلّها في وقتٍ واحد. وهذا الفصل يشرح لماذا كان هذا الافتراض أخطر ثغرات القصّة.
ما الارتباط ولماذا يهمّ؟
معامل الارتباطمقياسٌ إحصائيّ يتراوح بين سالب واحد وموجب واحد، ويصف مدى ميل أصلين إلى التحرّك معًا. فالارتباط القريب من موجب واحد يعني تحرّكًا متشابهًا، والقريب من الصفر يعني استقلالًا نسبيًّا، والسالب يعني تحرّكًا متعاكسًا. هو الأداة التي يقيس بها المحلّلون مدى استقلال الأصول بعضها عن بعض. وفكرة التنويع كلّها تقوم عليه: إذا كانت أصولك ضعيفة الارتباط، فخسارة أحدها لا تعني خسارة الباقي. ويشرح درس الارتباط بين الأصول في أكاديميّة أُسس هذا المفهوم، ويشرح درس التنويع ببساطة كيف يقلّل توزيع الأصول اعتماد النتيجة على مسارٍ واحد.
الارتباط ليس رقمًا ثابتًا
المشكلة أنّ الارتباط يُقاس من الماضي، ويُعامَل غالبًا كأنّه صفةٌ دائمة. لكنّه في الحقيقة يتغيّر مع الظروف. ففي الأوقات الهادئة تتحرّك الأصول لأسبابٍ محلّيّة متنوّعة، فيبدو الارتباط بينها منخفضًا. أمّا في الأزمات فيطغى عاملٌ واحد على كلّ ما عداه: الخوف. وحين يخاف المستثمرون يبيعون كلّ ما يرونه خطرًا ويشترون ما يرونه آمنًا، فتهبط الأصول الخطرة معًا، وترتفع الارتباطات بينها فجأة، ويختفي جزءٌ كبير من حماية التنويع في اللحظة التي يحتاجها الجميع.
رهانٌ واحد في ثيابٍ كثيرة
والدرس الأعمق في قصّة الصندوق أنّ صفقاته المتنوّعة في الشكل كانت تشترك في جوهرٍ واحد: كثيرٌ منها كان يربح إذا هدأت الأسواق وضاقت الفروق، ويخسر إذا اشتدّ الطلب على الأمان. فشراء الأصل الأقلّ سيولةً وبيع الأكثر سيولة، أو شراء الأصل الأعلى مخاطرةً وبيع الأدنى، كلّها صيغٌ لرهانٍ واحد على أنّ الخوف لن يتصاعد. وحين جاءت لحظة الهروب إلى الأماناندفاع المستثمرين في أوقات الذعر إلى بيع الأصول الخطرة أو الأقلّ سيولة وشراء الأصول التي يرونها الأكثر أمانًا وسيولة، كالسندات الحكوميّة لدولٍ كبرى، فتتّسع الفروق بين النوعين بسرعة.، تبيّن أنّ هذه الصفقات لم تكن مستقلّةً قطّ.
مثالٌ توضيحيّ بأرقامٍ مستديرة
تخيّل محفظةً فيها عشر صفقاتٍ تقدّر النماذج أنّ احتمال خسارة كلّ واحدةٍ منها خسارةً كبيرة في شهرٍ ما يبلغ واحدًا من عشرين. لو كانت مستقلّةً تمامًا، لكان احتمال أن تخسر كلّها معًا ضئيلًا إلى حدٍّ لا يُتصوّر. لكن إذا كانت كلّها تتأثّر بالعامل نفسه، فإنّ احتمال خسارتها معًا يقترب من احتمال خسارة صفقةٍ واحدة، أي واحدًا من عشرين تقريبًا. الفرق بين الرقمين هو الفرق بين محفظةٍ «مستحيلة الانهيار» على الورق ومحفظةٍ تنهار في شهرٍ سيّئ واحد.
رأينا كيف تحوّلت الصفقات المتباعدة إلى رهانٍ واحد. في الفصل التالي نتناول وجهًا آخر للأزمة لا يقلّ خطورة: السيولة التي تختفي في اللحظة التي يحتاج فيها الجميع إلى البيع. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في المخاطر والرافعة والسيولة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.