بعد أن جمع الكتاب أدواته من علم الأعصاب ونظريّة التطوّر، يصل إلى فكرته المركزيّة التي يحمل عنوانه اسمها. وجوهرها أنّ الأسواق ليست آلةً فيزيائيّة تخضع لقوانين ثابتة، بل نظامٌ بيئيّ حيّ تسكنه كائناتٌ تتنافس وتتعلّم وتتكيّف. ومن هذه الصورة تنبع نظرةٌ جديدة إلى الكفاءة نفسها.
المبادئ الأساسيّة للفرضيّة
يمكن تلخيص فرضيّة الأسواق التكيّفيّةإطارٌ يرى الأسواق نظامًا بيئيًّا يتنافس فيه مشاركون يتعلّمون ويتكيّفون، فتتغيّر درجة كفاءة الأسعار والعلاقة بين المخاطرة والعائد بتغيّر الظروف وتركيبة المشاركين. في أفكارٍ مترابطة بلغتنا: أنّ المشاركين يسعون إلى مصلحتهم لكنّهم يخطئون، وأنّهم يتعلّمون من أخطائهم ويغيّرون سلوكهم، وأنّهم يعتمدون على استدلالاتٍ مختصرة تناسب بيئتهم أكثر ممّا يعتمدون على حساباتٍ مثاليّة، وأنّ المنافسة تدفعهم إلى التكيّف، وأنّ الانتقاء يفرز الأساليب الناجحة من غيرها. ومن تفاعل هذه العناصر تتحدّد حالة السوق في كلّ لحظة. فالسوق ليست كفؤةً دائمًا ولا غير كفؤةٍ دائمًا، بل تتحرّك بين الحالتين.
الكفاءة بوصفها توازنًا بيئيًّا
في هذا الإطار تصبح الكفاءة شبيهةً بالتوازن في نظامٍ بيئيّ مستقرّ. فحين تبقى الظروف متشابهة لفترةٍ طويلة، ويكثر المشاركون الذين تعلّموا كيف يتعاملون معها، تُستغلّ الفرص بسرعة وتقترب الأسعار ممّا تتوقّعه فرضيّة الكفاءة. أمّا حين تتغيّر البيئة فجأة، كصدمةٍ اقتصاديّة أو تغيّرٍ في السياسة النقديّة أو تقنيّةٍ جديدة، فإنّ القواعد التي تعلّمها المشاركون تفقد صلاحيّتها، ويمرّ وقتٌ قبل أن يتكيّفوا، وفي هذه الفترة تظهر الانحرافات التي يرصدها السلوكيّون. ويشرح درس تجمّع التقلّبات كيف تتعاقب في الأسواق فتراتٌ هادئة وأخرى مضطربة.
تركيبة المشاركين تصنع الفرق
من أهمّ ما تضيفه الفرضيّة أنّ كفاءة السوق لا تعتمد على البيئة وحدها، بل على من يسكنها. فالسوق التي يكثر فيها مشاركون متمرّسون متنوّعو الأساليب تختلف عن سوقٍ يغلب عليها وافدون جدد يحملون الأسلوب نفسه، أو سوقٍ صغيرة قليلة المشاركين. ومثالٌ توضيحيّ: سوقٌ ناشئة تنفتح حديثًا قد تتّسع فيها الفروق بين الأسعار والقيمة في سنواتها الأولى، ثمّ تضيق تدريجيًّا مع دخول مشاركين أكثر خبرةً وتنوّعًا. ويتّصل هذا بمفهوم السيولة، فعمق السوق وكثرة المتعاملين فيها جزءٌ من قدرتها على تسعير الأصول بسرعة.
المصالحة بين المعسكرين
بهذا يقدّم الكتاب مخرجًا من الجدل الذي عرضناه في الفصلين الأوّل والثاني. ففرضيّة الكفاءة تصف السوق في حالة التوازن، حين يكون المشاركون قد تكيّفوا مع ظروفٍ مستقرّة. والمدرسة السلوكيّة تصف السوق حين تتغيّر البيئة أسرع من قدرة المشاركين على التكيّف، فتنكشف استدلالاتهم القديمة. ولا تناقض بين الوصفين، بل هما لقطتان للنظام نفسه في لحظتين مختلفتين. ويبقى دليل السير العشوائيّ في وول ستريت مرجعًا جيّدًا لفهم لماذا يصعب التفوّق على السوق في حالتها المتوازنة.
قدّمنا في هذا الفصل قلب الكتاب. في الفصل التالي نرى أوّل نتائجه العمليّة: لماذا تولد الاستراتيجيّات وتزدهر ثمّ تذبل، ولماذا لا يبقى أسلوبٌ ناجحًا إلى الأبد. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق وسلوك المستثمرين لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.