إذا كان الدماغ نتاج تاريخٍ تطوّريّ طويل، فإنّ طرق التفكير التي يعدّها السلوكيّون انحيازاتٍ تستحقّ نظرةً ثانية. هذا هو ما يفعله الكتاب في هذه المرحلة: فهو لا ينكر أنّ هذه الطرق تقودنا إلى الخطأ أحيانًا، لكنّه يسأل لماذا نشأت وما الذي كانت تحلّه، ليصل إلى أنّ الخطأ ليس في الأداة بل في استخدامها في غير موضعها.
الطريق المختصر ليس عيبًا
في عالمٍ مليءٍ بالقرارات ومحدودٍ بالوقت والمعلومات، يحتاج كلّ كائنٍ إلى استدلالاتٍ مختصرةقاعدةٌ بسيطة يستخدمها الإنسان للوصول إلى حكمٍ أو قرارٍ بسرعة دون حساب كلّ الاحتمالات، وتنجح في كثيرٍ من الظروف لكنّها قد تقود إلى أخطاءٍ منتظمة في ظروفٍ أخرى. تمكّنه من التصرّف بسرعةٍ معقولة. والفكرة المعروفة في الاقتصاد بأنّ البشر يكتفون بالحلّ المقبول بدل البحث عن الأمثل ليست اعترافًا بالعجز، بل وصفٌ لاستراتيجيّةٍ ذكيّة: أن تقبل جوابًا جيّدًا بما يكفي الآن خيرٌ من أن تنتظر جوابًا مثاليًّا قد لا يأتي. ويرى الكتاب أنّ كثيرًا ممّا نسمّيه انحيازاتٍ هو قواعد من هذا النوع، صقلها التطوّر لأنّها نجحت في البيئات التي عاش فيها أسلافنا.
عدم التوافق: حين تتغيّر البيئة ويبقى السلوك
المفهوم المحوريّ هنا هو عدم التوافق البيئيّالحالة التي يستمرّ فيها سلوكٌ أو صفةٌ تشكّلت لأنّها نافعة في بيئةٍ سابقة، بعد أن تغيّرت البيئة فأصبحت غير مناسبةٍ أو ضارّة في الظروف الجديدة.. فالسلوك الذي نجح طويلًا يبقى معنا حتّى بعد أن تتبدّل الظروف التي جعلته ناجحًا، لأنّ التطوّر البيولوجيّ بطيء والعادات راسخة. ومثالٌ توضيحيّ: في بيئةٍ تكون فيها الموارد نادرة ومتقلّبة، قد يكون الإسراع إلى اغتنام كلّ فرصةٍ تظهر أمرًا حكيمًا. لكنّ الميل نفسه في سوقٍ ماليّة تُعرض فيها فرصٌ ظاهرة كلّ دقيقة قد يتحوّل إلى ملاحقةٍ متواصلة لكلّ حركة، وإلى كثرة تداولٍ تستهلك المال في التكاليف.
أمثلةٌ من سلوك المستثمرين
بهذه العدسة يمكن إعادة قراءة كثيرٍ من الانحيازات المعروفة. فالميل إلى اتّباع الجماعة كان طريقةً سريعة للاستفادة من معرفة الآخرين: إذا ركض الجميع فربّما رأوا خطرًا لم تره. لكنّه في الأسواق قد يضخّم الموجات حين يشتري كلٌّ لأنّ غيره يشتري. والحساسيّة الزائدة تجاه الخسارة كانت مفيدة حين كانت الخسارة الكبيرة تعني الهلاك، لكنّها قد تدفع المستثمر اليوم إلى قراراتٍ متقلّبة أمام تذبذباتٍ عاديّة. ويعرض درس الخوف من تفويت الفرصة وجهًا مألوفًا من هذا السلوك في الأسواق اليوم.
من الحكم على الأداة إلى الحكم على السياق
النتيجة التي يصل إليها الكتاب أنّ السؤال عن الاستدلال لا ينبغي أن يكون: هل هو عقلانيّ أم لا؟ بل: هل يناسب البيئة التي نستخدمه فيها الآن؟ وهذا يغيّر طريقة تعامل المستثمر مع نفسه. فبدل أن يحاول محو ميوله، وهو أمرٌ صعب، يمكنه أن يتعرّف على المواقف التي تتحوّل فيها هذه الميول إلى عبء، وأن يضع لنفسه قواعد تحميه في تلك المواقف بالذات. ويقدّم درس دفتر التداول أداةً عمليّة لرصد هذه المواقف عبر تسجيل القرارات ومراجعتها.
جمعنا الآن كلّ مكوّنات الإطار: دماغٌ له تاريخ، وتطوّرٌ يكافئ الملاءمة، واستدلالاتٌ تنجح أو تفشل بحسب البيئة. في الفصل التالي نرى كيف يركّب الكتاب هذه المكوّنات في فرضيّته المركزيّة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في فهم الأسواق وسلوك المستثمرين لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.