يتتبّع مايكل لويس في هذا الكتاب السنوات التي سبقت الأزمة الماليّة العالميّة في 2007 و2008، ويسأل سؤالًا يبدو بسيطًا: كيف استطاع نظامٌ ماليّ متطوّر، تديره مؤسّساتٌ عريقة ويعمل فيه آلاف المحلّلين، أن يبني جبلًا من الديون فوق قروضٍ كان كثيرٌ منها محكومًا بالتعثّر؟ وهذا الفصل يضع الأساس الذي يقوم عليه الدليل كلّه: أنّ الأزمة لم تبدأ في قاعات التداول، بل في مكاتب الإقراض، حين تغيّر معنى القرض الجيّد.
من قرضٍ تحتفظ به إلى قرضٍ تبيعه
في الصورة التقليديّة كان المصرف يقرض الأسرة لشراء مسكن ثمّ يحتفظ بالقرض سنواتٍ طويلة، فإن تعثّر المقترض تحمّل المصرف الخسارة. ولذلك كان حريصًا على التحقّق من الدخل والوظيفة والدفعة الأولى. ثمّ صار شائعًا أن يُمنح القرض ويُباع بسرعة إلى جهاتٍ أخرى تجمعه مع غيره وتعيد بيعه للمستثمرين. وحين ينتقل الخطر إلى غيرك قبل أن يجفّ الحبر، يتراجع حرصك على جودة ما تبيع، ويصبح الربح في عدد القروض لا في سلامتها.
ما المقصود بالقروض عالية المخاطر؟
انتشر في تلك السنوات ما يُعرف بـ الإقراض عالي المخاطرقروضٌ تُمنح لمقترضين ذوي سجلٍّ ائتمانيّ ضعيف أو دخلٍ غير موثّق أو قدرةٍ محدودة على السداد، وتحمل عادةً فائدةً أعلى تعويضًا عن احتمال التعثّر الأكبر، وتُعرف بالإنجليزيّة باسم subprime.، ومعه قروضٌ تكاد لا تطلب إثباتًا للدخل، وأخرى تُمنح بدفعةٍ أولى ضئيلة أو بلا دفعة. ولم يكن منح القرض لمقترضٍ ضعيف خطأً في ذاته، فالتمويل قد يفتح باب التملّك لأسرٍ كثيرة، لكنّ الخطأ أن يُسعَّر هذا الخطر وكأنّه غير موجود، وأن يُبنى القرار على افتراض أنّ سعر المسكن سيرتفع دائمًا فيغطّي أيّ ضعفٍ في قدرة المقترض.
القسط المريح الذي يخفي القفزة
ومن أكثر المنتجات انتشارًا القرض ذو الفائدة المتغيّرةقرضٌ تتغيّر فائدته بعد فترةٍ أولى محدّدة وفق مؤشّرٍ مرجعيّ، وقد تبدأ بسعرٍ منخفض مغرٍ ثمّ ترتفع، فيرتفع معها القسط الشهريّ أحيانًا ارتفاعًا كبيرًا. الذي يبدأ بفائدةٍ منخفضة لعامين أو ثلاثة. تخيّل أسرةً تدفع قسطًا شهريًّا قدره ألف دولار في السنتين الأوليين، ثمّ يقفز القسط إلى ألف وستّمئة دولار. ما دام سعر المسكن يرتفع، تستطيع الأسرة أن تعيد تمويل قرضها بشروطٍ جديدة قبل القفزة. فإن توقّفت الأسعار عن الارتفاع، انغلق هذا الباب ووجدت الأسرة نفسها أمام قسطٍ لا تقدر عليه. ويرتبط هذا كلّه بمستوى سعر الفائدة الذي يحدّد كلفة الاقتراض صعودًا وهبوطًا.
حين يصبح الجميع متفائلين
لم يكن التراخي قرار جهةٍ واحدة، بل مزاجًا عامًّا. فالمقترض يرى جيرانه يربحون من ارتفاع أسعار المساكن، والوسيط يتقاضى عمولته عند توقيع القرض، والمُقرض يبيع القرض بسرعة، والمستثمر يشتري لأنّ العائد أعلى من بدائله. وكلّ طرفٍ يطمئنّ إلى أنّ غيره قد تحقّق. وهنا تعمل انحيازاتٌ مثل اتّباع القطيع والثقة المفرطة، وهي ممّا يشرحه درس الانحيازات المعرفيّة في التداول. وقد عرض دليل تاريخ موجز للنشوة الماليّة كيف تتكرّر هذه الحالة الذهنيّة في كلّ فقاعةٍ تقريبًا.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي تقوم عليه القصّة. في الفصل التالي نشرح بلغةٍ بسيطة كيف تحوّلت هذه القروض إلى سنداتٍ يشتريها مستثمرون حول العالم عبر ما يُعرف بالتوريق. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الائتمان والمخاطر والحوافز لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.