كلّ نوبة نشوةٍ تنتهي، وحين تنتهي تبدأ مرحلةٌ لها طقوسها أيضًا. يتأمّل غالبريث ما يحدث بعد الانهيار: الغضب، والبحث عن المسؤولين، والوعود بأنّ ما حدث لن يتكرّر، والقوانين الجديدة التي تُسنّ على عجل. ويلاحظ أنّ هذه المرحلة، رغم ضجيجها، قلّما تعالج السبب العميق، ولهذا تمهّد بهدوءٍ للنوبة التالية.
البحث عن كبش فداء
بعد الانهيار يحتاج الناس إلى تفسيرٍ يحفظ لهم كرامتهم. والتفسير الأسهل أن يكون هناك أشرار: مصرفيّ جشع، أو محتالٌ أخفى الحقيقة، أو مضاربون يُتّهمون بأنّهم أسقطوا السوق، وكثيرًا ما يُوجَّه الغضب إلى من مارسوا البيع على المكشوف. وقد يكون بين هؤلاء من يستحقّ المحاسبة فعلًا؛ فالنوبات المضاربيّة بيئةٌ خصبة للاحتيال، لأنّ الحماسة تُضعف الرقابة والفحص. لكنّ المشكلة أنّ التركيز على الأفراد يريح الجماعة من سؤالٍ أصعب: لماذا صدّقنا جميعًا؟ لماذا اشترينا بأسعارٍ لم يكن لها ما يبرّرها؟ وحين يُعفى هذا السؤال من الطرح، يبقى الاستعداد النفسيّ للنوبة التالية سليمًا لم يُمسّ.
ما يستطيعه التنظيم
لا يعني هذا أنّ القوانين بلا فائدة. فبعد 1929 مثلًا ظهرت في الولايات المتّحدة قواعد جديدة للإفصاح وجهةٌ تراقب أسواق الأوراق الماليّة، ووُضعت حدودٌ للشراء بالهامش. وما يُعرف بـالتنظيم الماليّمجموعة القواعد والجهات الرقابيّة التي تنظّم عمل الأسواق والمؤسّسات الماليّة، كقواعد الإفصاح وحدود الاقتراض ومتطلّبات رأس المال، بهدف حماية المستثمرين والحدّ من المخاطر التي قد تهدّد النظام الماليّ كلّه.، حين يكون جيّدًا، يستطيع أن يحدّ من الاقتراض المفرط، وأن يزيد الشفافيّة، وأن يجعل الاحتيال أصعب، وأن يخفّف أثر الانهيار حين يقع. هذه مكاسب حقيقيّة لا يُستهان بها.
ما لا يستطيعه
لكنّ للتنظيم حدودًا يذكّرنا بها التاريخ. أوّلها أنّ القوانين تُكتب غالبًا لمنع الأزمة السابقة بأدواتها، بينما تأتي النوبة التالية بأداةٍ لم يتخيّلها أحد. وثانيها أنّ الذاكرة القصيرة تطال المشرّعين أيضًا، فتُخفَّف القواعد في سنوات الهدوء بحجّة أنّها صارت قديمة. وثالثها أنّ تدخّل الدولة لإنقاذ المتعثّرين، وإن كان ضروريًّا أحيانًا لمنع انهيارٍ أوسع، قد يولّد الخطر الأخلاقيّميلٌ إلى المخاطرة أكثر حين يتوقّع صاحب القرار أنّ غيره سيتحمّل جزءًا من الخسارة إن ساءت الأمور، كأن تخاطر مؤسّسةٌ ماليّة بشدّة لاعتقادها أنّ الدولة ستنقذها إن تعثّرت.، فيتعلّم المشاركون أنّ الخسارة الكبيرة قد لا تقع عليهم وحدهم. وفوق ذلك كلّه، يبقى الدافع الأساسيّ نفسيًّا وجماعيًّا: الرغبة في الثراء السريع، والخوف من التخلّف عن الآخرين، والنسيان. وهذه أمورٌ لا تلغيها النصوص.
المسؤوليّة تعود إلى الفرد
إن كان التنظيم لا يستطيع أن يحمي الناس من حماستهم بالكامل، فجزءٌ كبير من الحماية يبقى على عاتق كلّ مستثمر. لا أحد سيمنعك من الاقتراض المفرط إن أردته، ولا أحد سيذكّرك بالتاريخ في ذروة النشوة. ولهذا تضع إدارة المخاطر في أكاديميّة أُسس المسؤوليّة في يد المستثمر نفسه: أن يحدّد مسبقًا كم يمكن أن يخسر، وأن يرفض الاقتراض الذي قد يجبره على البيع في أسوأ لحظة، وأن يراجع قراراته بعد الأزمة بصدقٍ لا بحثًا عن مذنبين.
رأينا في هذا الفصل ما يحدث بعد الانهيار، ولماذا لا تكفي القوانين لمنع تكرار القصّة. في الفصل الأخير نجمع خيوط الكتاب كلّها في دروسٍ عمليّة للمستثمر اليوم: التواضع، والشكّ الصحّيّ، والحجم المتواضع للمخاطرة. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.