بعد أن رأينا أنّ النوبات المضاربيّة تتشابه في بنيتها، يبرز سؤالٌ محيّر: لماذا لا نتعلّم؟ الأزمات موثّقة، والكتب كثيرة، والأرقام متاحة لمن يريد. ومع ذلك يدخل الناس الفقاعة التالية بالحماسة نفسها التي دخل بها أسلافهم الفقاعة السابقة. يجيب غالبريث بفكرةٍ محوريّة في كتابه: أنّ ذاكرة الأسواق قصيرةٌ جدًّا، وأنّ قِصرها ليس صدفة بل نتيجةٌ طبيعيّة لكيفيّة انتقال الخبرة بين الناس.
الدرس الذي لا يُورَّث
من خسر نصف مدّخراته في انهيارٍ ما يحمل معه حذرًا لا تمنحه أيّ قراءة. لكنّ هذا الحذر شخصيّ، يسكن في ذاكرة صاحبه ولا ينتقل بالسهولة نفسها إلى غيره. ومع مرور السنين يتقاعد من عاشوا الأزمة أو يبتعدون عن الأسواق، ويدخل مكانهم جيلٌ يعرف الأزمة السابقة كما يعرف حدثًا في كتاب تاريخ: معلومةً لا ألمًا. هنا تتآكل الذاكرة الماليّةما تحتفظ به السوق ككلّ من دروس الأزمات السابقة، وهي ذاكرةٌ قصيرة نسبيًّا لأنّها تسكن في خبرات الأفراد الذين عاشوا تلك الأزمات، فتضعف كلّما غادروا الساحة وحلّ محلّهم من لم يعشها.، ويصير الطريق ممهّدًا لنوبةٍ جديدة.
جيلٌ تقريبًا بين نوبةٍ وأخرى
لاحظ كثيرون ممّن درسوا تاريخ الأسواق أنّ المسافة بين نوباتٍ كبيرة كثيرًا ما تقترب من عمر جيل. لا يعني ذلك قاعدةً زمنيّة دقيقة يمكن البناء عليها، بل يعني أنّ النسيان يحتاج وقتًا كي يكتمل: وقتًا كافيًا لأن يصبح معظم المشاركين ممّن لم يتألّموا بأنفسهم. ولهذا يرى القارئ في تاريخ الأسواق نوباتٍ متباعدة تكفي المسافة بينها لأن تبدو كلّ واحدةٍ منها حدثًا جديدًا تمامًا في عيون من يعيشونها.
أخطر عبارةٍ في الأسواق
النسيان وحده لا يكفي؛ يحتاج إلى قصّةٍ تبرّره. وأشهر هذه القصص عبارة «هذه المرّة مختلفة»القناعة الشائعة في ذروة الحماسة بأنّ الظروف الحاليّة تختلف جوهريًّا عن كلّ ما سبق، بسبب تقنيةٍ أو سياسةٍ أو أداةٍ جديدة، وبأنّ دروس الفقاعات السابقة لم تعد تنطبق، وهي قناعةٌ تتكرّر بصيغٍ مختلفة قبيل معظم الانهيارات الكبرى.. في كلّ نوبةٍ يجد الناس سببًا وجيهًا للاعتقاد بأنّ القواعد القديمة لم تعد صالحة: اقتصادٌ جديد، أو بنكٌ مركزيّ أكثر حكمة، أو أداةٌ ماليّة أذكى. وقد يكون في السبب شيءٌ من الصحّة، فالعالم يتغيّر فعلًا. لكنّ الذي لا يتغيّر هو أنّ الناس يدفعون أسعارًا مبالغًا فيها حين يتحمّسون، وأنّ الدَّين يضخّم الخسارة حين ينقلب الاتّجاه.
كيف نصنع ذاكرةً لا نملكها
إن كانت الذاكرة الجماعيّة قصيرة، فعلى الفرد أن يبني ذاكرته بنفسه. يكون ذلك بقراءة التاريخ قراءةً تبحث عن الأنماط لا عن التفاصيل، وبتدوين قراراتك ومشاعرك في الأوقات الصاخبة كي تعود إليها لاحقًا، كما تقترح دروس مذكّرة التداول في أكاديميّة أُسس. وتلتقي هذه الفكرة مع ما يعرضه دليلنا لكتاب سيكولوجية المال عن أثر التجارب الشخصيّة في تشكيل نظرة كلّ واحدٍ منّا إلى المخاطرة: فمن لم يعش الانهيار عليه أن يتعلّمه عن قصد، لأنّ السوق لن تذكّره به قبل الأوان.
عرفنا في هذا الفصل لماذا ينسى الناس دروس الفقاعات السابقة. في الفصل التالي نتوقّف عند وهمٍ آخر يغذّي النشوة: الاعتقاد بأنّ من يملك المال الكثير يملك بالضرورة عقلًا أكبر، وكيف يحوّل هذا الوهم الثروة إلى سلطةٍ معرفيّة لا تستحقّها. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماعة لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.