كلّ قرارٍ نتّخذه يستند إلى معتقداتٍ عن العالم: عن صحّة معلومة، أو عن طبيعة شخص، أو عن اتّجاه أمرٍ ما. فإذا كانت القرارات رهانات، فالمعتقدات هي ما نراهن عليه في الحقيقة. وتلفت ديوك النظر إلى مفارقةٍ مقلقة: أنّنا نكوّن كثيرًا من معتقداتنا بسرعةٍ وبلا تدقيق، ثمّ نتمسّك بها بقوّةٍ لا تتناسب مع ضعف الأساس الذي بُنيت عليه.
كيف نكوّن معتقداتنا فعلًا
نتخيّل أنفسنا نسمع المعلومة، ثمّ نفحصها، ثمّ نقبلها أو نرفضها. لكنّ الواقع أنّنا غالبًا نقبل ما نسمعه أوّلًا، ولا نفحصه إلّا إن وجدنا دافعًا قويًّا لذلك، وهو ما لا يحدث كثيرًا. ثمّ إذا استقرّت المعلومة في أذهاننا صرنا نقرأ كلّ جديدٍ بعدستها، فنقبل ما يؤيّدها بسهولة ونتشدّد مع ما يخالفها. بل إنّ الأذكى منّا قد يكون أمهر في الدفاع عن معتقداته، لأنّه يملك أدواتٍ أكثر لتبرير ما يريد تصديقه.
«هل تراهن على ذلك؟»
هنا يأتي السؤال الذي يقترحه الكتاب علاجًا: لو طُلب منك أن تراهن على رأيك، هل ستفعل؟ وبكم؟ بمجرّد أن يصبح للخطأ ثمن، يتغيّر موقفك من الرأي. تبدأ تتساءل: من أين عرفت هذا؟ هل المصدر موثوق؟ ما الذي قد يجعلني مخطئًا؟ فكّر في الأمر بلغة تكلفة الفرصة البديلة: كلّ رأيٍ تتمسّك به بلا فحص قد يكلّفك قراراتٍ أفضل كان يمكن أن تتّخذها لو رأيت الصورة بوضوح.
من اليقين إلى درجات الثقة
البديل العمليّ أن نستبدل «أنا متأكّد» بـ درجة الثقةالتعبير عن الرأي بنسبةٍ تعكس مدى تأكّدنا منه، كأن نقول «أرجّح ذلك بنسبة 70%» بدل «أنا متأكّد»؛ وهي تعترف بنقص المعرفة وتسهّل تعديل الرأي تدريجيًّا مع المعلومات الجديدة.. حين تقول «أرجّح ذلك بنسبة سبعين في المئة» فأنت تعترف بأنّك قد تكون مخطئًا، وتدعو الآخرين ضمنيًّا إلى إخبارك بما يعرفونه. والأهمّ أنّ النسبة تجعل تحديث المعتقداتتعديل درجة الثقة في رأيٍ ما كلّما ظهرت معلوماتٌ جديدة، صعودًا أو هبوطًا، بدل التمسّك الجامد بالرأي أو الانقلاب الكامل عليه؛ وهو جوهر التعلّم في عالمٍ ناقص المعلومات. أمرًا طبيعيًّا: معلومةٌ جديدة قد تنقلك من سبعين إلى ستّين، دون أن تشعر بأنّك «خسرت» النقاش. هكذا يصبح تغيير الرأي علامة تعلّم لا علامة هزيمة.
عرفنا في هذا الفصل كيف نعامل معتقداتنا رهاناتٍ قابلة للتعديل. في الفصل التالي نرى كيف نتعلّم من النتائج التي تأتينا، ولماذا يقف التحيّز لصالح الذات عائقًا أمام هذا التعلّم. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير واتّخاذ القرار لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.