إذا لم تكن النتيجة مقياسًا كافيًا للقرار، فمن أين تأتي النتائج أصلًا؟ تجيب ديوك بأنّ كلّ نتيجةٍ تصنعها قوّتان متشابكتان: جودة القرار، أي ما كان تحت سيطرتنا من تفكيرٍ ومعلوماتٍ وتقدير، والحظّ، أي كلّ ما لم يكن تحت سيطرتنا. المشكلة أنّ القوّتين لا تأتيان مفصولتين بلافتة، بل ممزوجتين في نتيجةٍ واحدة، وعلينا نحن أن نخمّن نصيب كلٍّ منهما.
خلطةٌ لا تنفصل بسهولة
حين تنتهي تجربةٌ ما بنجاح، يسهل أن نقول «أحسنت التخطيط»، وحين تنتهي بفشل يسهل أن نقول «سوء حظّ». الحقيقة أنّ أغلب النتائج مزيجٌ من الاثنين بنسبٍ مختلفة، وأنّ تمييز المهارة والحظّالعلاقة بين ما يتحكّم فيه صاحب القرار من تفكيرٍ وتقدير، وما لا يتحكّم فيه من ظروفٍ وصدف؛ وكلّ نتيجةٍ مزيجٌ منهما، ولا يظهر أثر المهارة بوضوح إلّا عبر عددٍ كبير من القرارات المتشابهة. في نتيجةٍ مفردة صعبٌ جدًّا. تخيّل أنّك تختار بين طريقين إلى عملك، وتعرف من تجربتك أنّ الأوّل يوصلك في الموعد تسعة أيّامٍ من كلّ عشرة، والثاني ستّة أيّامٍ فقط. تختار الأوّل، فيتعطّل السير فيه اليوم وتتأخّر. هل أخطأت؟ لا، فلو تكرّر هذا الصباح مئة مرّة لكان اختيارك هو الأحكم في أغلبها، والتأخّر اليوم لا يغيّر حساب الاحتمالات.
قانون العيّنة الكبيرة
من هنا تأتي أهمّيّة حجم العيّنةعدد القرارات أو التجارب المتشابهة التي نعتمد عليها قبل الحكم على منهجٍ أو مهارة؛ كلّما كبرت العيّنة تعادلت الصدف وظهر أثر جودة القرار، وكلّما صغرت زاد خطر أن نخلط الحظّ بالمهارة.. في عشرة قراراتٍ قد يصنع الحظّ ما يشاء، أمّا في مئتي قرارٍ متشابه فتتعادل الصدف إلى حدٍّ كبير ويبدأ المنهج الجيّد بالتميّز. لذلك لا يحكم المتعلّم الحكيم على طريقته من أسبوعٍ واحد، بل يتّبع خطّة تداولٍ مكتوبة يلتزم بها مدّةً كافية قبل أن يقرّر إن كانت تستحقّ الاستمرار. وهذا ما يفسّر أيضًا لماذا ينصح أهل الاستثمار بـالتنويع: توزيع القرارات على عددٍ أكبر يخفّف سطوة الحظّ في أيّ قرارٍ منفرد.
كيف نفسّر نتائجنا ونتائج غيرنا
تلاحظ ديوك ميلًا بشريًّا مزدوجًا: ننسب نجاحاتنا إلى مهارتنا وإخفاقاتنا إلى الظروف، ونفعل العكس مع الآخرين، فنرى نجاحهم حظًّا وفشلهم تقصيرًا. هذا الميل يحمي صورتنا عن أنفسنا، لكنّه يكلّفنا كثيرًا؛ لأنّه يمنعنا من رؤية أخطائنا حين نخسر، ومن تعلّم ما أحسنه غيرنا حين يربحون. والسؤال الذي تقترحه بسيط: لو حدثت هذه النتيجة لغيري، كيف كنت سأفسّرها؟
عرفنا في هذا الفصل كيف تتشابك المهارة والحظّ في كلّ نتيجة. في الفصل التالي ننتقل من القرارات إلى المعتقدات التي تقف خلفها، ونرى كيف يغيّر سؤالٌ بسيط مثل «هل تراهن على ذلك؟» طريقة تمسّكنا بآرائنا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير واتّخاذ القرار لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.