تخيّل طالبين يستعدّان للامتحان نفسه. الأوّل أهمل المراجعة واكتفى بتصفّح فصلين، فجاءت الأسئلة من هذين الفصلين تحديدًا ونجح بتفوّق. والثاني راجع المقرّر كلّه بانتظام، ثمّ مرض صباح الامتحان فجاءت علامته متواضعة. لو حكمنا بالنتيجة وحدها لقلنا إنّ الأوّل أحسن الاستعداد والثاني أساء. لكنّ أحدًا لا يقبل هذا الحكم حين يُعرض بهذا الوضوح. ومع ذلك نقع في الخطأ نفسه كلّ يوم حين تكون الصورة أقلّ وضوحًا، وهذا ما تسمّيه ديوك فخّ الحكم بالنتيجة.
ما هو الحكم بالنتيجة
الحكم بالنتيجةخطأٌ في التفكير نستنتج فيه جودة القرار من نتيجته وحدها، فنعدّ كلّ ما نجح صائبًا وكلّ ما فشل خاطئًا، متجاهلين دور الحظّ والمعلومات التي كانت متاحةً لحظة اتّخاذ القرار. هو أن نربط جودة القرار بخاتمته ربطًا آليًّا. يبدو الأمر منطقيًّا في الظاهر، فالنتيجة هي ما نراه ونلمسه، أمّا جودة التفكير فخفيّة. لكنّ النتيجة في عالمٍ فيه حظّ ومعلوماتٌ ناقصة إشارةٌ ضعيفة على جودة القرار، خصوصًا حين نحكم من حادثةٍ واحدة. قرارٌ واحد ونتيجةٌ واحدة لا يكفيان للحكم على شيء.
الحكمة بعد فوات الأوان
يتغذّى هذا الفخّ من ميلٍ آخر: أنّنا بعد أن نعرف ما حدث نشعر بأنّه كان متوقّعًا منذ البداية. هذا انحياز الإدراك المتأخّرميلٌ نفسيّ يجعلنا بعد معرفة النتيجة نبالغ في تقدير ما كان يمكن توقّعه قبلها، فنظنّ أنّ ما وقع كان واضحًا منذ البداية، ونلوم أنفسنا أو غيرنا على عدم رؤيته. يجعلنا نقسو على قراراتٍ كانت معقولةً وقت اتّخاذها، ونتساهل مع قراراتٍ متهوّرة لأنّها انتهت على خير. والنتيجة أنّ ذاكرتنا عن قراراتنا تصبح منحازة: نتذكّر القرار بلون نتيجته لا بحقيقته.
ماذا نسأل بدلًا من ذلك
البديل الذي تقترحه ديوك أن نفصل السؤالين: كيف كانت النتيجة؟ وكيف كان القرار؟ ولكي نحكم على القرار نسأل: ما المعلومات التي كانت متاحة؟ هل بذلنا جهدًا معقولًا في جمعها؟ ما الاحتمالات التي وزنّاها؟ هل كانت نسبة المخاطرة إلى العائد مقبولة بالنظر إلى ما كنّا نعرفه؟ مثلًا، قرارٌ يقبل خسارةً محدودة مقابل فرصةٍ معقولة لعائدٍ أكبر قد يكون قرارًا جيّدًا حتّى لو انتهى بالخسارة، لأنّ جودته في بنائه لا في حظّه. وهذه الروح نفسها هي ما تبنيه دروس إدارة المخاطر في أكاديميّة أُسس: أن تقيس قرارك بما كان تحت سيطرتك.
عرفنا في هذا الفصل لماذا تخدعنا النتائج حين نتّخذها مقياسًا وحيدًا. في الفصل التالي نتعمّق في العنصرين اللذين يصنعان كلّ نتيجة: المهارة والحظّ، ولماذا يصعب علينا الفصل بينهما. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير واتّخاذ القرار لا توصياتٍ استثماريّة ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.