يعتمد هذا الإطار كثيرًا على دراسة التاريخ، لأنّ الدورة الطويلة أطول من خبرة أيّ جيلٍ بمفرده. وفي هذا الفصل نقرأ أزمتين معروفتين بوقائعهما العامّة المتّفق عليها، لا ببيانات الكتاب ودراساته التفصيليّة، لنرى كيف تظهر فيهما الأفكار التي عرضناها في الفصول السابقة.
العشرينيّات: صعودٌ مموَّل بالدين
شهدت الولايات المتّحدة في العشرينيّات ازدهارًا اقتصاديًّا وصعودًا كبيرًا في أسعار الأسهم، وانتشر شراء الأسهم بأموالٍ مقترضة من الوسطاء بنسبةٍ صغيرة من قيمتها. ثمّ جاء انهيار سوق الأسهم في أكتوبر 1929. وهنا نرى ملامح ما وصفناه في الفصل الثالث: أصولٌ تُشترى بالدين على أمل استمرار الصعود، ثمّ انعطافٌ يجعل الرافعة تعمل في الاتّجاه المعاكس. وقد روى دليل تاريخٌ موجز للنشوة الماليّة كيف تتكرّر هذه النشوة في كلّ حقبة.
الثلاثينيّات: الانكماش وقيد الذهب
لم يكن انهيار الأسهم وحده ما صنع الكساد الكبير، بل ما تلاه: موجاتٌ من إفلاس المصارف، وهبوطٌ في الأسعار والأجور، وبطالةٌ واسعة. وهي صورةٌ نموذجيّة للأزمة الانكماشيّة التي شرحناها في الفصل الخامس. وكان من القيود المهمّة في تلك المرحلة معيار الذهبنظامٌ نقديّ تُربط فيه قيمة العملة بكمّيّةٍ محدّدة من الذهب، فيلتزم البنك المركزيّ بتحويلها إليه، ممّا يحدّ من قدرته على خلق النقود بحرّيّة.، الذي حدّ من قدرة السلطات على خلق النقود. وحين خُفّف هذا الارتباط في الولايات المتّحدة سنة 1933 وخُفضت قيمة الدولار أمام الذهب، بدأ التعافي. ثمّ جاء تشديدٌ في السياستين النقديّة والماليّة في 1937 فعاد الاقتصاد إلى الضعف، وهي واقعةٌ يُستشهد بها كثيرًا للتحذير من الانسحاب المبكّر من الدعم.
2008: الفقاعة والذعر والاستجابة
بعد نحو ثمانية عقود تكرّرت الآليّة بأدواتٍ مختلفة. فقد تضخّم الدين العقاريّ في الولايات المتّحدة، ثمّ بدأت أسعار المساكن في التراجع، فتعثّر المقترضون، وتعرّضت المؤسّسات المرفوعة لخسائر كبيرة، وبلغ الذعر ذروته بإفلاس مصرف ليمان براذرز في سبتمبر 2008. وقد عرض دليل الرهان الكبير على الانهيار جانب الإقراض والتوريق من هذه القصّة. أمّا الاستجابة فكانت أسرع نسبيًّا من الثلاثينيّات: خفض الاحتياطيّ الفيدراليّ الفائدة إلى ما يقارب الصفر في ديسمبر 2008، وبدأ برامج واسعة لشراء الأصول، ودعمت الحكومة المصارف بأموالٍ عامّة.
ما الذي تقوله المقارنة؟
تقول المقارنة إنّ سرعة استعمال الأدوات التضخّميّة، وتوازنها مع الأدوات الانكماشيّة، تؤثّر كثيرًا في عمق الأزمة ومدّتها. ومع ذلك كان التعافي بعد 2008 بطيئًا، وارتفعت أسعار الأصول أسرع من الأجور، واتّسعت فجواتٌ اجتماعيّة. ويقترن ذلك بفكرة التعافي البطيء بعد أزمات الدينفترةٌ طويلة تبقى فيها الفائدة منخفضة جدًّا أو قريبة من الصفر، ويبقى فيها النموّ ضعيفًا رغم التيسير، لأنّ الأسر والشركات والمصارف تنشغل بتقليص ديونها بدل التوسّع.: فتقليص الدين عمليّةٌ تستغرق سنوات حتّى حين يُدار جيّدًا. ولا تعني هذه القراءة أنّ الأزمة القادمة ستشبه أيًّا من الأزمتين، فلكلّ أزمةٍ ظروفها، والقيمة في فهم المراحل لا في ادّعاء معرفة التوقيت.
رأينا في هذا الفصل كيف تظهر أفكار الإطار في وقائع التاريخ. في الفصل الأخير ننتقل من مستوى الدول إلى مستوى الفرد: ما الذي يعنيه هذا كلّه لمن يدير ميزانيّته ومدّخراته، ثمّ نختم بخلاصة الكتاب. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.