تحدّثنا في الفصل الخامس عن الأزمات التضخّميّة التي ترتبط بالعملة. وفي هذا الفصل نقترب أكثر من الآليّة الخارجيّة: كيف تدخل الأموال إلى بلدٍ ما وكيف تخرج منه، وما دور ربط العملة في هذه الحركة، ولماذا يجد صانعو السياسات أنفسهم أحيانًا أمام خياراتٍ كلّها مؤلمة.
ما ربط العملة؟
تختار بعض البلدان أن تثبّت سعر عملتها أمام عملةٍ أخرى أو سلّة عملات، فيما يُعرف بـربط العملةسياسةٌ يلتزم فيها البنك المركزيّ بإبقاء سعر صرف عملته ثابتًا أو قريبًا من مستوى محدّد أمام عملةٍ أخرى أو سلّة عملات، مستعينًا باحتياطيّاته من العملات الأجنبيّة وبأدوات السياسة النقديّة.. والربط يمنح التجّار والمستثمرين استقرارًا وقدرةً على التخطيط، ويستورد مصداقيّة العملة المرتبط بها. وقد عملت ترتيباتٌ من هذا النوع بثباتٍ لعقودٍ في بلدانٍ كثيرة حين سندتها احتياطيّاتٌ كافية وسياساتٌ متّسقة. فالربط في ذاته ليس مشكلة، والسؤال دائمًا: ما الذي يسنده؟
حين تدخل الأموال بسهولة
في سنوات الرخاء قد تتدفّق الأموال الأجنبيّة إلى بلدٍ ينمو بسرعة، فتموّل الاستهلاك والعقار والاستثمار، ويقترض المحلّيّون بالعملة الأجنبيّة لأنّ فائدتها أقلّ، مطمئنّين إلى أنّ الربط يحميهم من تقلّب سعر الصرف. وهنا يتراكم خطرٌ صامت: ديونٌ بعملةٍ لا يطبعها البلد، مموّلةٌ بأموالٍ قصيرة الأجل يمكن أن تغادر بسرعةٍ أكبر ممّا جاءت. وهذه صورةٌ عامّة ارتبطت بأزماتٍ معروفة، منها أزمة دول شرق آسيا في أواخر التسعينيّات.
هروب رؤوس الأموال
حين تهتزّ الثقة يبدأ هروب رؤوس الأموالخروجٌ سريع وكبير للأموال من بلدٍ ما، يقوم به مستثمرون أجانب ومحلّيّون على السواء، خوفًا من هبوط العملة أو من قيودٍ على التحويل أو من تدهور الأوضاع الاقتصاديّة.. ويبيع المستثمرون أصولهم ويحوّلون الحصيلة إلى عملاتٍ يرونها ملاذًا آمنًا، فيزداد الطلب على العملة الأجنبيّة. ولكي يحافظ البنك المركزيّ على الربط عليه أن يبيع من احتياطيّاته، ولهذه الاحتياطيّات حدّ. ويراقب المتعاملون حجمها، فكلّما تراجعت زاد الشكّ في قدرة الربط على الصمود، فتسارع الخروج. وهي حلقةٌ تشبه كثيرًا ما رأيناه في الذعر المصرفيّ.
ثلاثة خياراتٍ كلّها مؤلمة
يجد البلد نفسه أمام خياراتٍ صعبة. فإمّا أن يستمرّ في بيع الاحتياطيّات حتّى تنفد، وإمّا أن يرفع الفائدة بشدّة ليجعل البقاء في عملته مغريًا، فيضغط على الاقتراض والنشاط المحلّيّ في أسوأ توقيت، وإمّا أن يتخلّى عن الربط فتضعف العملة، فيرتفع التضخّم ويتضخّم عبء الديون المقوّمة بالعملة الأجنبيّة. وقد تُفرض أحيانًا قيودٌ على تحويل الأموال، ولها بدورها كلفةٌ على الثقة. وفي كلّ الأحوال يكون الحلّ الأقلّ ضررًا هو الذي يُتّخذ مبكّرًا وبوضوح، لا الذي يُؤجَّل حتّى تنفد الخيارات.
رأينا في هذا الفصل البعد الخارجيّ لأزمات الديون. في الفصل التالي نعود إلى التاريخ لنقرأ أزمتين معروفتين، الكساد الكبير وأزمة 2008، بوقائعهما العامّة وبعين هذا الإطار. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.