كتب راي داليو هذا الكتاب بعد عقودٍ قضاها في إدارة الأموال ومراقبة الأزمات، وأراد منه أن يجيب عن سؤالٍ واحد: هل تتكرّر أزمات الديون الكبرى لأسبابٍ متشابهة يمكن فهمها؟ وجوابه أنّها تتكرّر بالفعل، وأنّ فهم آليّتها يبدأ من فهم الدين نفسه. ولذلك يبدأ هذا الدليل من أبسط سؤال: ما الذي يحدث حين يقترض أحدٌ مالًا لينفقه؟
الإنفاق هو دخل غيرك
الاقتصاد في جوهره مجموع معاملاتٍ لا تُحصى، وفي كلّ معاملة يدفع طرفٌ ويقبض طرف. فما ينفقه مشترٍ هو دخلٌ لبائع، وما يقبضه البائع ينفقه بدوره فيصبح دخلًا لغيره. ومن هنا تأتي ملاحظةٌ بسيطة لكنّها حاسمة: إذا أنفق الناس أكثر ارتفعت الدخول، وإذا ارتفعت الدخول أنفق الناس أكثر. وهذه الحلقة تعمل في الاتّجاهين، فتغذّي الرخاء حين تدور إلى الأعلى، وتعمّق الركود حين تدور إلى الأسفل.
ما الائتمان في حقيقته؟
يمكن للإنسان أن ينفق ممّا كسب، ويمكنه أيضًا أن ينفق ممّا سيكسب. والثاني هو الائتمانوعدٌ بالسداد في المستقبل يتيح للمقترض أن يحصل على مالٍ أو سلعةٍ الآن، فينشأ في اللحظة نفسها أصلٌ لدى المُقرض ودينٌ على المقترض.. فحين يمنح المصرف قرضًا لا ينقل مالًا من خزانةٍ إلى أخرى فحسب، بل يخلق علاقةً جديدة: أصلًا في دفاتره ودينًا في دفاتر المقترض. والقرض بهذا المعنى قوّةٌ شرائيّة تُستعار من المستقبل. فإن اقترضت أسرةٌ عشرة آلاف دولار وأنفقتها اليوم، فقد أنفقت جزءًا من دخل سنواتٍ قادمة، وعليها حين يحين السداد أن تنفق أقلّ ممّا تكسب.
الدين الجيّد والدين السيّئ
ليس في هذا الإطار حكمٌ أخلاقيّ على الدين. فالقرض الذي يموّل مصنعًا يولّد أرباحًا، أو تعليمًا يرفع دخل صاحبه، قد يسدّد نفسه ويترك فائضًا. أمّا القرض الذي يموّل استهلاكًا عابرًا، أو أصلًا اشتُري بسعرٍ مبالغٍ فيه على أمل أن يرتفع أكثر، فلا يترك وراءه إلّا عبء السداد. والمعيار الذي يتكرّر في الكتاب كلّه هو العلاقة بين الدين والدخل الذي يُفترض أن يسدّده، أو ما يمكن تسميته القدرة على خدمة الدينقدرة الدخل الجاري على تغطية الأقساط والفوائد المستحقّة على الدين في مواعيدها، دون الحاجة إلى اقتراضٍ جديد أو بيع أصول.: ما دام الدخل ينمو بما يكفي لخدمة الدين فالوضع مستقرّ، وحين ينمو الدين أسرع من الدخل طويلًا يبدأ الخلل. ويتأثّر هذا كلّه بمستوى سعر الفائدة الذي يحدّد كلفة الاقتراض.
لماذا لا مفرّ من الدورات؟
لو كان الناس يقترضون بقدر ما يستطيعون سداده بدقّة لما وُجدت أزماتٌ كبيرة. لكنّ الائتمان يُغري بطبيعته، فهو يجعل الحاضر أجمل ويؤجّل الثمن. وحين يرتفع الإنفاق المموَّل بالدين ترتفع الدخول وأسعار الأصول، فيبدو المقترضون أقدر على الاقتراض، فيقترضون أكثر. وهذا ما يجعل الاقتصاد يتحرّك في دوراتٍ لا في خطٍّ مستقيم، كما يشرح درس دورة السوق في أكاديميّة أُسس. وتضاعف الرافعة الماليّة هذا الأثر، فما ترفعه في الصعود تُضخّمه في الهبوط.
وضعنا في هذا الفصل الأساس الذي يقوم عليه الإطار كلّه. في الفصل التالي نميّز بين دورتين للدين: دورةٍ قصيرة يعرفها الناس من حالات الركود العاديّة، ودورةٍ طويلة تتراكم عبر عقود. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في الدين والدورات الاقتصاديّة والسياسة النقديّة لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.