يختم الكتاب رحلته بالنظر إلى ما يحدث بعد انفجار كلّ فقاعة، وإلى العلاقة الملتبسة بين المضاربة والسلطات التي تحاول تنظيمها. وفي هذا الفصل الأخير نجمع هذه الأفكار، ثمّ نستخلص منها دروسًا عامّة للقارئ، بعيدًا عن أيّ توقّعٍ لما ستفعله الأسواق.
بندول التنظيم
رأينا أنّ كلّ أزمةٍ كبرى أعقبها تشدّد: قانون الفقاعة في بريطانيا بعد 1720، ونفور فرنسا من المصارف بعد جون لو، وقوانين الثلاثينيّات في أمريكا. ثمّ رأينا أنّ هذا التشدّد يتراخى مع الوقت، حين يأتي جيلٌ لم يعش الأزمة، ويرى في القيود عبئًا على النموّ والابتكار، فتُخفّف القواعد شيئًا فشيئًا. ويشبّه الكتاب ذلك ببندولٍ يتأرجح بين الخوف والطمع على مستوى المجتمع كلّه، لا الأفراد وحدهم، ويرى أنّ مرحلة التحرير الطويلة كثيرًا ما تهيّئ الأرض للموجة التالية.
المال الرخيص والإنقاذ
يتوقّف الكتاب عند دور السياسة النقديّة: فالفائدة المنخفضة طويلًا تدفع الباحثين عن العائد نحو أصولٍ أكثر خطرًا، كما رأينا في اليابان. ويتوقّف كذلك عند ما يسمّيه الاقتصاديّون الخطر الأخلاقيّالحالة التي يتحمّل فيها طرفٌ مخاطر أكبر لأنّه يتوقّع أن يتحمّل غيره، كالحكومة أو المصرف المركزيّ، جزءًا من العواقب إن ساءت الأمور، فتضعف الرادعات الطبيعيّة للمخاطرة المفرطة.: فإذا اعتاد المشاركون أن تتدخّل السلطات لدعم الأسواق أو إنقاذ المؤسّسات الكبرى عند كلّ هبوط، صاروا أكثر استعدادًا للمخاطرة. ولا يعني هذا أنّ التدخّل خطأٌ دائمًا، فقد يمنع أحيانًا انهيارًا أوسع، لكنّ له كلفةً خفيّة تظهر في الموجة التالية. ويشرح درس أسعار الفائدة الحقيقيّة كيف تؤثّر كلفة المال في سلوك المستثمرين.
المضاربة ليست عدوًّا مطلقًا
رغم كلّ ما سبق، لا يدعو الكتاب إلى إلغاء المضاربة، فقد رأينا أنّها موّلت السكك الحديديّة وغيرها من الابتكارات، وأنّ الأسواق تحتاج إلى من يتحمّل المخاطر. المشكلة في نظره ليست في وجود المضاربين، بل في اللحظة التي يتحوّل فيها المجتمع كلّه إلى مضاربين، ويصبح الائتمان السهل والقصّة المقنعة بديلين عن التفكير في القيمة. ويضع دليل تاريخٌ موجز للنشوة الماليّة هذه الفكرة في صيغةٍ مكثّفة مكمّلة.
ما الذي يحمله القارئ معه؟
لا يعد التاريخ بتوقيتٍ دقيق، لكنّه يقدّم دروسًا عامّة: أن يميّز المرء بين صحّة الفكرة والسعر المدفوع فيها، وأن يحذر من الرافعة الماليّة لأنّها العامل الذي يحوّل التراجع إلى كارثة، وأن يرتاب في حجّة «هذه المرّة مختلفة» دون أن يرفضها آليًّا، وأن يتذكّر أنّ ارتفاع السعر وحده ليس دليلًا على القيمة، وأنّ أفضل وقتٍ للتحقّق هو حين يبدو أنّ الجميع يربح. ويعرض درس إدارة المخاطر كيف تُترجم هذه المبادئ إلى عاداتٍ عمليّة في حماية رأس المال.
بهذا نختم رحلتنا مع تاريخ المضاربة من أمستردام إلى عصر الإنترنت. وخلاصتها أنّ الأدوات تتغيّر والطبيعة البشريّة لا تتغيّر، وأنّ معرفة الماضي لا تحمي من كلّ خطأ لكنّها تجعل الوقوع فيه أقلّ احتمالًا. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.