إذا كانت فقاعة بحر الجنوب أشهر فقاعات القرن الثامن عشر، فإنّ انهيار 1929 هو الحلقة التي صارت مرجعًا لكلّ حديثٍ عن الأزمات في القرن العشرين. ويتوقّف الكتاب عندها مطوّلًا، لأنّها جمعت كلّ العناصر التي رأيناها حتّى الآن، وأضافت إليها جمهورًا واسعًا من المستثمرين الأفراد للمرّة الأولى بهذا الحجم.
حكاية العصر الجديد
خرجت الولايات المتّحدة من الحرب العالميّة الأولى قوّةً اقتصاديّة صاعدة، وانتشرت في العشرينيّات ابتكاراتٌ غيّرت حياة الناس: السيّارة، والراديو، والكهرباء في البيوت، والبيع بالتقسيط. وولّد هذا كلّه قناعةً بأنّ الاقتصاد دخل عصرًا جديدًااعتقادٌ يشيع في أوقات الازدهار بأنّ تحوّلًا تقنيًّا أو مؤسّسيًّا جعل القواعد القديمة للتقييم والدورات الاقتصاديّة غير صالحة، فتُبرَّر به أسعارٌ لم تكن لتُقبل من قبل. تجاوز فيه دورات الركود القديمة، وأنّ أسعار الأسهم المرتفعة تعكس هذا الواقع الجديد لا مبالغةً فيه. ويرى الكتاب أنّ هذه القصّة، بصيغٍ مختلفة، ترافق كلّ فقاعةٍ كبرى.
الشراء بالدَّين
كان الوقود الأهمّ في تلك المرحلة هو الشراء بالهامششراء الأوراق الماليّة بمالٍ مقترض جزئيًّا من الوسيط، مع رهن الأوراق نفسها ضمانًا، بحيث يُطالَب المشتري بتغطيةٍ إضافيّة أو تُباع أوراقه إذا هبطت قيمتها دون حدٍّ معيّن.، إذ كان المستثمر يستطيع أن يدفع جزءًا صغيرًا من ثمن الأسهم ويقترض الباقي من وسيطه. وتضخّمت قروض الوسطاء تضخّمًا كبيرًا، وتدفّقت إليها أموال الشركات والمصارف الأجنبيّة طلبًا للفائدة المرتفعة. وأضيف إلى ذلك صناديق استثمارٍ تقترض لتشتري أسهم صناديق أخرى تقترض بدورها، فتراكبت طبقات الرافعة بعضها فوق بعض.
الخريف الأسود وما تلاه
في أواخر أكتوبر 1929 تتابعت أيّام البيع الكثيف، ومع كلّ هبوطٍ كانت نداءات الهامش تجبر المقترضين على البيع، فيتسارع الهبوط. ولم يكن الانهيار نهاية القصّة، بل بدايةً لتراجعٍ طويل امتدّ حتّى أوائل الثلاثينيّات وفقدت فيه المؤشّرات الأمريكيّة الجزء الأعظم من قيمتها، وتزامن مع الكساد الكبير وموجةٍ من إفلاس المصارف. ويعرض درس أين يذهب المال حين تحمرّ الأسواق ما يحدث فعلًا للثروة الورقيّة في موجات الهبوط.
التحقيق ثمّ التشريع
كشفت تحقيقاتٌ في مجلس الشيوخ مطلع الثلاثينيّات ممارساتٍ مسيئة لدى مصارف ووسطاء كبار، من التلاعب بالأسعار إلى بيع أوراقٍ رديئة للجمهور. فجاءت موجةٌ من الإصلاحات: قوانين تُلزم الشركات بالإفصاح، وهيئةٌ اتّحاديّة لمراقبة الأوراق الماليّة، وفصلٌ بين المصارف التجاريّة ومصارف الاستثمار. ويستخدم الكتاب هذه الحلقة ليشرح دورة التنظيمالنمط المتكرّر الذي تعقب فيه الأزماتُ الكبرى موجةً من التشريعات والرقابة المتشدّدة، ثمّ يتراخى هذا التشدّد تدريجيًّا في سنوات الرخاء حتّى تهيّئ الظروف لموجة مضاربةٍ جديدة.: الأزمة تولّد تشدّدًا، والرخاء الطويل يولّد الرغبة في تخفيفه.
رأينا في هذا الفصل كيف يصنع الدَّين والقصّة المقنعة معًا فقاعةً جماهيريّة. في الفصل التالي نقفز إلى اليابان في أواخر الثمانينيّات، حيث بلغت أسعار الأسهم والأراضي مستوياتٍ لم يعرفها التاريخ الحديث. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.