إدوارد تشانسلر مؤرّخٌ ماليّ وصحفيّ بريطانيّ عمل في أسواق المال قبل أن يتفرّغ للكتابة عنها، وأصدر هذا الكتاب في أواخر التسعينيّات، في ذروة حماسةٍ عارمة كانت تجتاح أسواق الأسهم الأمريكيّة. ولم يكن غرضه أن يتنبّأ بنهاية تلك الحماسة، بل أن يضعها في سياقٍ أطول: كيف تصرّف الناس في موجات المضاربة السابقة، وما الذي تكرّر في كلّ مرّة رغم اختلاف العصور والأدوات والبلدان؟
ما المضاربة أصلًا؟
يصعب رسم حدٍّ قاطع بين المضاربة والاستثمار، لكنّ التمييز الشائع يقوم على مصدر العائد المنتظر. فالمستثمر يشتري أصلًا لما سيولّده من دخلٍ أو أرباحٍ عبر الزمن، أمّا المضاربةشراء أصلٍ أو بيعه بهدف الاستفادة من تغيّر سعره في الأساس، لا ممّا يولّده من دخلٍ أو أرباح، مع قبول درجةٍ مرتفعة من المخاطرة وعدم اليقين. فتعتمد في الأساس على أن يرتفع السعر ليبيع المرء لغيره بأعلى ممّا اشترى. ويعرض درس الاستثمار والمضاربة والمقامرة في أكاديميّة أُسس هذا الفرق بأمثلةٍ مبسّطة. ويرى الكتاب أنّ الخطّ بين الاثنين يذوب في أوقات الحماسة، حين يقنع الناس أنفسهم بأنّهم مستثمرون بينما هم يطاردون السعر وحده.
دافعٌ قديم لا اختراعٌ حديث
يبدأ الكتاب رحلته من أزمنةٍ بعيدة، ليبيّن أنّ الرغبة في الثراء السريع عبر تداول الحصص والعقود ليست وليدة البورصات الحديثة. ففي روما القديمة كانت هناك شركاتٌ تتولّى جباية الضرائب والأشغال العامّة وتُتداول حصصها، وفي مدن أوروبا التجاريّة نشأت أسواقٌ للديون والسلع قبل قرونٍ من ظهور المؤشّرات والشاشات. والفكرة التي يريد الكتاب ترسيخها أنّ المضاربة جزءٌ من الطبيعة البشريّة نفسها، تتغيّر أدواتها وتبقى دوافعها: الطمع، والأمل، والرغبة في ألّا يفوتك ما يحصده جارك.
الوجه المزدوج للمضاربة
لا يقف الكتاب موقف الواعظ الذي يدين المضاربة جملةً. فهو يعترف بأنّ المضاربين يتحمّلون مخاطر يتجنّبها غيرهم، وأنّ أموالهم موّلت عبر التاريخ مشاريع كبرى ما كانت لتقوم بغيرهم. لكنّه يحذّر من اللحظة التي تتحوّل فيها المضاربة إلى هوسٍ ماليّحالةٌ جماعيّة يندفع فيها عددٌ كبير من الناس إلى شراء أصلٍ ما بأسعارٍ تنفصل عن أيّ تقديرٍ معقول لقيمته، مدفوعين بارتفاع السعر نفسه وبالخوف من تفويت الفرصة.، فيصبح ارتفاع السعر هو المبرّر الوحيد لمزيدٍ من الارتفاع، ويتّسع الفارق بين السعر وأيّ قيمةٍ يمكن الدفاع عنها. وتجد في مسرد الخوف من تفويت الفرصة وصفًا للشعور الذي يغذّي هذه اللحظة.
معنى العنوان
يستعير الكتاب عنوانه من مثلٍ إنجليزيّ قديم يصف تدافعًا ينجو فيه كلّ امرئٍ بنفسه ويُترك آخر الهاربين لمصيره. وهذه في نظره صورة الفقاعة بدقّة: كثيرٌ من المشاركين يدركون أنّ الأسعار مبالغٌ فيها، لكنّ كلًّا منهم يراهن على أنّه سيبيع لمن هو أكثر تفاؤلًا قبل أن ينقلب المزاج. وحين ينقلب فعلًا، لا يتّسع الباب للجميع. ويقارن القارئ هذا بما يعرضه دليل الأوهام الشعبيّة الاستثنائيّة وجنون الحشود الذي سبق هذا الكتاب بأكثر من قرنٍ ونصف.
رسمنا في هذا الفصل الإطار العامّ. في الفصل التالي ننتقل إلى أمستردام في القرن السابع عشر، حيث وقعت الحلقة التي صارت رمزًا لكلّ هوسٍ لاحق. وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ودروسٌ في تاريخ الأسواق وسلوك الجماهير لا توصياتٍ ولا إشاراتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.