ظهرت في الجامعات منذ منتصف القرن الماضي نظريّةٌ مؤثّرة تقول إنّ أسعار الأسهم تعكس في كلّ لحظةٍ كلّ ما هو معروفٌ عنها، فلا جدوى من البحث عن أسهمٍ مسعّرةٍ بأقلّ من قيمتها. يقف بافيت من هذه النظريّة موقفًا دقيقًا: لا يرفضها كلّها، لكنّه يرفض أن تتحوّل إلى عقيدةٍ مطلقة. ثمّ ينتقل من نقدها إلى مسألةٍ عمليّة تمسّ كلّ مستثمر: كم يخسر الناس حين يكثرون الحركة؟
بين «غالبًا» و«دائمًا»
تقول فرضيّة السوق الكفؤةنظريّةٌ أكاديميّة ترى أنّ أسعار الأوراق الماليّة تعكس المعلومات المتاحة بسرعةٍ ودقّة، فيصعب على أيّ مستثمرٍ أن يتفوّق على السوق بانتظام بعد احتساب التكاليف؛ وتختلف صيغها بين المعتدلة والمتشدّدة. في صيغتها المعتدلة إنّ السوق يسعّر الأسهم في أغلب الأوقات تسعيرًا معقولًا، وهذا ما يقبله بافيت. لكنّ الصيغة المتشدّدة تذهب أبعد: إنّه يفعل ذلك دائمًا، فلا توجد أيّ فجوةٍ يمكن الاستفادة منها. يرى بافيت أنّ هذا القفز من الملاحظة الصحيحة إلى التعميم المطلق خطأٌ منطقيّ، وأنّ موجات الحماس الجماعيّ والذعر الجماعيّ تصنع بين حينٍ وآخر فجواتٍ واسعة بين السعر والقيمة. ومن أراد أن يرى الحجّة المقابلة بأقوى صورها فليقرأ دليلنا لكتاب نزهةٌ عشوائيّة في وول ستريت، فالحوار بين الرأيين من أنفع ما يقرأه المستثمر.
المفارقة: النظريّة تصنع الفرصة
يلاحظ الكتاب مفارقةً لطيفة: لو اقتنع جميع المستثمرين بأنّ السوق كفؤٌ دائمًا وتوقّفوا عن دراسة الأعمال، لصار السوق أقلّ كفاءةً بالضرورة، لأنّ الكفاءة نفسها تنتج عن أناسٍ يبحثون ويقارنون ويصحّحون الأخطاء. أي إنّ النظريّة، إن انتشرت انتشارًا كاملًا، تقوّض الشرط الذي تقوم عليه. ومع ذلك يحذّر بافيت من الاستنتاج المعاكس المتسرّع: أن تكون هناك فجواتٌ لا يعني أنّ كلّ أحدٍ يستطيع رؤيتها، ولا أنّها تظهر كثيرًا.
الضريبة الخفيّة لكثرة الحركة
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى فكرةٍ حسابيّة بسيطة: ما تكسبه الشركات في مجموعها هو أقصى ما يمكن أن يكسبه مالكوها في مجموعهم. فإذا تبادل المستثمرون الأسهم فيما بينهم مرارًا، لم تتغيّر أرباح الشركات بشيء، لكنّ جزءًا من هذه الأرباح يذهب إلى العمولات والرسوم والاستشارات والضرائب. يسمّي بعض الاقتصاديّين ذلك تكاليف الاحتكاكمجموع ما يدفعه المستثمرون من عمولاتٍ ورسومِ إدارةٍ وفروقِ أسعارٍ وضرائب نتيجة الشراء والبيع وإدارة الأموال؛ تقتطع من العائد دون أن تضيف إلى أرباح الشركات شيئًا.. تخيّل قريةً يملك أهلها الأراضي الزراعيّة كلّها، ثمّ قرّروا أن يتبادلوا قطع الأرض فيما بينهم كلّ شهرٍ مقابل رسمٍ للوسيط. لن يزيد المحصول حبّةً واحدة، لكنّ ما يبقى لأهل القرية سينقص بقدر ما يدفعونه للوسطاء.
ماذا يعني ذلك للمستثمر العاديّ؟
يخلص بافيت إلى نصيحةٍ قد تبدو مفاجئة من مستثمرٍ نشيط: أنّ أكثر الناس الذين لا يملكون الوقت ولا الخبرة لدراسة الأعمال سيكونون في الغالب أفضل حالًا إن امتلكوا حصّةً من السوق كلّه عبر صندوقٍ واسعٍ منخفض الكلفة، واحتفظوا بها طويلًا. وهي الفكرة التي بنى عليها جون بوغل مسيرته، وشرحناها في دليلنا لكتاب الكتاب الصغير للاستثمار السليم. ولا تعارض بين الفكرتين: من يملك دائرة كفاءةٍ حقيقيّة قد يجد فرصًا، ومن لا يملكها يحمي نفسه بتقليل الحركة والتكاليف.
عرفنا في هذا الفصل لماذا يرى بافيت أنّ السوق قد يخطئ، ولماذا تأكل الحركة الكثيرة العوائد. في الفصل التالي نسأل: إن كان السعر قد يبتعد عن القيمة، فما هي القيمة أصلًا؟ ولماذا لا تكفي القيمة الدفتريّة لقياسها؟ وتذكّر أنّ ما نقدّمه هنا دليلٌ تعليميّ لأفكار الكتاب لا الكتاب نفسه، ومفاهيمُ في التفكير الاستثماريّ لا توصياتٍ ولا تنبّؤاتٍ بالأسعار ولا وعودًا بعوائد مضمونة.